«حياتك ملكٌ للشارع»!
لا يكاد يوجد بيت عماني لم يُفجَع أهله بحادث سير أليم أدى إلى فقدان أحد أفراده، ولطالما أريق حبرٌ كثير في الكتابة عن هذه الحوادث، بين مقالات في الصحف، ودراسات لأسبابها تواظب شرطة عمان السلطانية على نشرها بين الفينة والأخرى. ولكن هل كانت هذه الحوادث حاضرة في الأدب العماني؟ بشيء من المجازفة أجيب: «نعم، ولكن نسبيًّا». وأقول "نسبيا" لأن الحادث المروري يظهر أحيانا في هذه القصة أو تلك الرواية، كحدث هامشي أو منعطف في مصير شخصية، لكن من النادر أن نجد عملًا أدبيًّا يستحوذ فيه الطريق والحادث على مساحة واسعة من العوالم السردية، ويتكرران - أي الطريق والحادث - إلى درجة تكاد تجعلهما خيطًا ناظمًا بين نصوصه. وهذا تحديدًا ما يلفت الانتباه في المجموعة القصصية «أجنحة زحل» للكاتب هلال البادي الصادرة مؤخرا عن دار الانتشار العربي في بيروت، حتى لَيُمكننا القول إنها أهجية أدبية لحوادث السير، وإن الشارع في هذه المجموعة هو البطل الرئيس، الذي يتربص بشخصيات البادي، ويعيد تشكيل مصائرها وعلاقاتها بمحيطها.
وغني عن القول إن حوادث السير هي من أكثر ما يحدث في الواقع المعيش مناسَبة للتوظيف في الأعمال الأدبية، فالحادث لا تتجاوز مدته ثواني معدودة، لكن آثاره وتبعاته قد تملأ قصة طويلة أو رواية كاملة. فإذا استعدنا رواية "الحادث" للروائي الألباني إسماعيل كادريه على سبيل المثال، نجد أن انحراف سيارة أجرة وموت راكبَيْها في مستهل الرواية يشكل الحدث المركزي الذي تنبني عليه بقية الرواية، إذ تنطلق منه التحقيقات ومحاولات إعادة تركيب ما سبق الحادث، وتتتبعه الرواية في آثاره النفسية والعاطفية، وفي الأسئلة التي يثيرها حول علاقة الضحيتين ببعضهما البعض والظروف التي قادت إلى موتهما. وفي أدبنا العُماني يكون حادث السير الأليم الذي تعرض له الأديب محمد عيد العريمي هو مركز السرد الذي سيكون له ما بعده في سيرته الذاتية الجميلة "مذاق الصبر".
وإذا كان لكل عمل أدبي مفتاح لقراءته فإن مفتاح "أجنحة زحل" في نظري هو عبارة وردت على لسان إحدى شخصيات قصة "مكتوب": "حياتك وحياة أولادك ملك للشارع". هذه العبارة يمكن سحبها على كل القصص العشر المكوِّنة للقسم الأول من الكتاب المعنون "أجنحة". فالشخصيات في تلك القصص، على اختلاف أعمارها وحيواتها، تبدو كأنها تسلّم جزءًا من مصائرها لهذا الشارع الذي يتحول إلى قوة غامضة تتدخل في الحياة والموت والحب والفقد.
قصة «أسفلت» مثلًا تبدأ بحادث سير عادي صادفنا أمثاله عشرات المرات في الشارع، لكنه سرعان ما يكشف هشاشة حياة امرأة غير سعيدة في زواجها، تنسى الحادث ورضيعها المريض الجائع ولا تعود مهتمة سوى بألا يعرف زوجها أنها المخطئة في هذا الحادث. وفي قصة «سكون باذخ» يُفقِد الشارع أمَّ سعيد زوجها وبناتها الثلاث في حادث واحد، فتغادر الباطنة إلى العامرات محاولة أن تبدأ حياة أخرى، وكأن الطريق الذي سلبها أسرتها هو نفسه الذي يدفعها إلى تغيير مكانها ومصيرها. أما قصة «مكتوب» التي وردت فيها "العبارة المفتاح"، فتتحول فيها جملة «حياتك وحياة أولادك ملك للشارع» إلى نبوءة ثقيلة تتحقق تباعًا؛ ثلاثة من أبناء الأب يموتون في حادث، ثم تلحق بهم ابنته شهد بعد سقوط سيارتها من عقبة العامرات. لذلك يصبح مجرد خبر حادث جديد عبئًا لا يُحتمل، فيختار الابن إخفاء الحقيقة عن أبيه، رحمةً به وخوفًا من أن يوقظ الشارع فيه فواجعه القديمة.
قصتا «مكان آخر» و«أنت الآن رجل» بدورهما تنشغلان بما بعد الحادث: بشر يموتون، وآخرون يبقون أحياء لكن حياتهم لا تعود هي نفسها السابقة، بل تُعاد صياغتها بفعل موت الآخرين. وتبلغ هذه الفكرة ذروتها في قصة «إشارة»، حيث يمدد البادي الثواني السابقة لموت شهد في تدهور سيارتها من عقبة العامرات إلى إحدى عشرة صفحة، مستثمرًا تقنية تمديد الزمن السردي، كما فعل قبله يوسف إدريس في قصة "أكان لا بُدّ يا ليلي أن تضيئي النور" حين جعل سجود الإمام في الصلاة الذي يستغرق في العادة ثواني معدودة، قصة طويلة في 23 صفحة. وفي قصة «صورة شهد» تكون السيارة، للمفارقة، وسيلة للحب مثلما كانت وسيلة للموت؛ فبسببها تحدث النظرات القليلة التي يرسلها العاشق لشهد، قبل أن تنتهي حياة الفتاة بالحادث. ومثلها قصة «طريق» التي تجعل السيارة مسرحًا لذكرى حب قديم، بينما تحضر حوادث السير في قصة «مجهول» باعتبارها خطرًا يهرب منه البطل حين يترك قيادة سيارة الأجرة بعد أن يشهد حادثًا أليما، لكنه لا ينجو من الموت في النهاية.
إننا إذن أمام متوالية قصصية تنتظمها حوادث السير، وتتكرر فيها الشخصيات من قصة إلى أخرى، فأم سعيد على سبيل المثال تظهر في القصة الأولى "أسفلت" مع ابنها وهما يحاولان تخفيف تبعات الحادث على المرأة الخائفة، ثم تصبح في القصة الثانية «سكون باذخ» الشخصية المركزية التي نتعرف إلى ماضيها وفقدها زوجها وبناتها في حادث سير، قبل أن تعود في «طريق» بوصفها الصديقة التي تتجه منال إلى زيارتها في العامرات. والشاب الجامعي الذي نراه في «أسفلت» بعد الحادث الذي تورط فيه، يعود في «مكتوب»، حيث نراه خائفًا من إخبار أبيه بما حدث للسيارة، أما المرأة التي تصدمها السيارة في «أسفلت»، فتعود لتصبح محور قصة «مكان آخر»، حيث نرى ما خلّفه الحادث في حياتها ونطل على ماضيها وزواجها. ثم يمتد الخيط إلى «أنت الآن رجل»، التي تنتقل إلى زوجها الجندي، وتروي جانبًا من حكايته هو الآخر بعد أن يُستدعى للتعرف على جثة أبيه الذي مات في حادث سير. ولعل شهد هي أوضح الشخصيات في هذا التشابك؛ إذ نعرف خبر موتها في «مكتوب»، ثم يمنحها البادي قصة كاملة في «إشارة»، مستعيدًا الثواني القليلة السابقة لمصرعها، قبل أن تعود من زاوية أخرى تمامًا في «صورة شهد»، من خلال الشاب الذي أحبها من بعيد، وتابع حضورها في حياته قبل أن يصدمه خبر موتها.
وهكذا فإن كل قصة تلتقط شخصيةً أو حادثةً أو أثرًا تركته قصة سابقة وتعيد النظر إليه من زاوية أخرى. وما كان شخصية هامشية في نص يصبح بطلًا في نص تالٍ، وما ورد خبرًا مقتضبًا يتسع لاحقًا ليصير حكاية كاملة. وهذا الترابط في العالم والشخصيات، إلى جانب وحدة الموضوع، هو ما يجعل قصص قسم «أجنحة» أقرب إلى متوالية قصصية منها إلى عشر قصص مستقلة.
وإذا كانت المجموعة/ المتوالية أهجية أدبية لحوادث السير - كما ذكرنا - فهي في الوقت ذاته بورتريه أدبي لمدينة العامرات، باعتبارها مكانًا يتبدل معناه من قصة إلى أخرى. فهي مرة ملاذ من الفقد، كما في «سكون باذخ» حين تنتقل أم سعيد إليها هربًا من ذكريات موت زوجها وبناتها، ومرة مكانًا للموت نفسه، كما في «مكتوب» و«إشارة» و«صورة شهد»، حيث ترتبط طرقها وعقبتها بالحوادث التي تفتك بالشخصيات. وفي «مكان آخر» تصبح العامرات أيضًا موضع احتواء، إذ تنتقل إليها البطلة بعد فقد أبيها وأخويها، وهي في «طريق» مكان لاستعادة حب قديم بدأ قبل عشرين عامًا، وفي «صورة شهد» مكان لولادة حب من بعيد، بينما تتحول في «مجهول» إلى هامش آمن نسبيًا يجد فيه العامل الوافد الهارب عملًا ومأوى في مزرعة. ثم تأتي قصة «يستحق الانتباه» لتقلب هذا المعنى، حين تضيق المرأة بوحدتها وتقرر مغادرة العامرات والعودة إلى بيتها ومزرعتها الأولى. وهكذا تصير العامرات ذاكرةً مكانية مشتركة تنعكس عليها تحولات الشخصيات من الفقد إلى الاحتماء، ومن الحب إلى الموت.
بعد هذا كله ينقلنا هلال البادي إلى القسم الثاني من مجموعته المعنون «زحل»، فنجد أنفسنا أمام أجواء مختلفة، أقرب إلى «الكتابة على الكتابة» إن جاز لي أن أختار للقسم عنوانًا آخر. ومع ذلك، فإن الصلة بين القسمين تظل قائمة، وإنْ على نحوٍ خفي؛ ففي «أجنحة» تتنقّل الشخصيات من قصة إلى أخرى داخل المجموعة، فتتبدل مواقعها بين الهامش والمركز، بينما تعبر في «زحل» حدودًا أوسع، خارجة من نصوص أخرى إلى عالم هلال البادي. هنا يتفاعل هلال مع نصوص قرأها، ويعيد كتابتها في نصوص جديدة؛ ففي قصة «سأم» مثلًا تتمرد ليلى على حكايتها التراثية المعروفة مع الذئب، وترفض قتله، وتقرر الخروج من النص لترى الحياة خارج الغابة. أما في «حجر وزعتر» فيغادر أحمد العربي قصيدة محمود درويش باحثًا عن شاعره الذي رحل، وكأن الشخصية ترفض أن تبقى يتيمة بعد موت كاتبها. وفي نص «نهاية مثالية» يعود البادي إلى مفيد الوحش، بطل رواية «نهاية رجل شجاع»، ليقترح له مصيرًا جديدًا بعد النهاية التي كتبها له حنا مينه، والنهاية الأخرى التي صنعها له نجدت أنزور في المسلسل التلفزيوني. ثم يبلغ هذا التفاعل أقصى مداه في نصّ «قصة قصيرة»، حين يستعير «الشاعرَ الزحلي» من رواية عبدالعزيز الفارسي «تبكي الأرض، يضحك زحل»، ويأخذه في رحلة إلى شناص لإنقاذ مقهى ألطاف من المحو. وهكذا تتبدى وحدة أعمق بين قسمي المجموعة: شخصيات «أجنحة» تعبر الحدود بين قصص الكتاب نفسه، وشخصيات «زحل» تعبر الحدود بين الكتب والمؤلفين، في حركة سردية واحدة قوامها نقل الشخصيات من هامش إلى مركز، ومن نص إلى نص، ومنحها في كل مرة زاوية جديدة ومصيرًا آخر. وبهذا المعنى، لا يبدو انقسام الكتاب إلى «أجنحة» و«زحل» انقسامًا بين عالمَيْن متباعدين بقدر ما هو تنويع على فكرة واحدة: الشخصيات التي لا ترضى أن تبقى حيث وضعها النص أول مرة. مرةً يعيدها هلال البادي إلى الواجهة داخل عالمه القصصي، ومرةً يستدعيها من عوالم كتّاب آخرين ليمنحها حياة جديدة.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني
