صُنّاع التفاهة
ليس لدي حساب شخصي على منصة «تيك توك»، لكنْ أحد الأصدقاء، ومن باب معرفة مدى ما وصل إليه الحال من إسفاف على هذه المنصة، اقترح عليّ مشاهدة بثّين، أحدهما «مباشر» والآخر «غير مباشر».
في البث المباشر يظهر شاب يتبادل بصورة فجة الشتائم مع فتاة عربية، يكيل الطرفان السباب لبعضهما حول موضوع سخيف.
اعتمدَ البث على فكرة «الخروج عن المألوف»، والهدف واضح، وهو جمع أكبر عدد ممكن من المشاهدات، باعتباره أقصر الطرق إلى تحقيق الشهرة والمال.
لحُسن الحظ قرأت قبل يومين منشورًا يفيد بأن إحدى المحاكم أصدرت حكمًا بإدانة المُتهمة بالسجن، ومصادرة الجهاز وإغلاق الحسابات، والإبعاد من البلاد ونشر الحُكم، وأنا الآن بانتظار الإجراء المناسب في حق الشاب.
أما البث «غير المباشر»، فيُظهر فتاة نصف عارية، ومن المُعرِف الشخصي لها فإنها تحمل شهادة «الدكتوراه»، تتحدث الفتاة في مجمل محتوياتها عن الصحة النفسية، وكيفية إدارة العلاقات الاجتماعية.
بعد مشاهدة المادتين، وصلنا إلى قناعة مفادها أن فضاء منصات التواصل الاجتماعي المفتوح مكّن صُنّاع التفاهة، ليس فقط من تحقيق الثراء السريع، إنما التأثير السلبي على عموم المجتمع، خاصة المراهقين، والاعتداء الصريح على الآداب العامة.
يتفنن صُنّاع التفاهة في أساليب تقديم محتوياتهم الهابطة، فمنهم من يعمد إلى إثارة الغرائز أو تصوير حياتهم الخاصة، ومنهم من يقدم محتويات قوامها تتبع الفضائح أو اختلاق الخلافات أو استعراض الممتلكات، ونتيجة لذلك انهالت عليهم مئات الآلاف من الريالات، في الوقت الذي يفني فيه المثقف أو الأكاديمي أو المهني الجاد عمره لأجل تحقيق حياة كريمة.
على باب منصة «تيك توك» مثلًا، يزدحم حسابُ تافهٍ بآلاف المتابعين لتقصّي يومياته، وعلى حساب مشهورة تنقلُ للجمهور تفاصيل حياتها الزوجية تتكدس مئات طلبات القبول، فيما لا تجد الأبحاث والمقالات، والدراسات المتخصصة في الدوريات، والمجلات المتخصصة والصحف من يقرأها!
مؤسف أن تظهر لنا كل يوم أسماء جديدة من التافهين على «تيك توك» أو «سناب شات» أو «إنستجرام» لتواصل تسميم عقول المراهقين والشباب، وتتصرف كما يحلو لها.
لقد دأب جلالة عاهل البلاد -حفظه الله ورعاه- عبر توجيهاته السامية، التي لا يكاد يخلو منها حديث لجلالته، على التحذير من خطر ما يُقَدَّم من مواد رديئة على هذه المنصات، إلا أن عدد صُنّاع التفاهة في تصاعد مستمر، الأمر الذي يُوجِب طرح أسئلة عديدة، من بينها: أين أولياء الأمور وأرباب الأُسر مما يحدث على هذه المنصات؟ في أي هُوَّةٍ سحيقةٍ ينتظرون أن يسقط أبناؤهم؟!
عُمر العبري كاتب عُماني
