إيران كما هي في مسلسل مدبلج

15 أغسطس 2026
15 أغسطس 2026

كان لي في صباي ولع خاص بالمسلسلات الإيرانية المدبلجة. أتذكر كيف كنت أبحث عنها وأنتظرها على قنوات مثل «المنار» و«الكوثر» و«العالم» و«آي فيلم». والكثير منها كان يُعرض مدبلجًا باللهجة اللبنانية، وكنت أتساءل عن السبب الرابط، لماذا يدبلجونها باللهجة اللبنانية، بينما اشتهرت المسلسلات التركية مدبلجةً باللهجة السورية؟ ولا أنسى أنني كنتُ حريصًا على الانتهاء من مراجعة دروسي وكتابة واجباتي المدرسية مبكرًا قبل أن يحين موعد المسلسل المسائي، حتى ألتحق بالجلسة العائلية أمام التلفزيون مرتاحَ البال... سقى الله يوم كانت للتلفزيون صالته ومواعيده الجماعية التي لا تُفوَّت. 

أثرُ تلك الفرجة البريئة والساذجة لا يزول، ومن الصعب محو عوالقها وبقاياها بالوعي اللاحق والقراءات المتأخرة. لقد تسرَّبت فترسبت في منطقة معتمة ومجهولة يسمونها «اللاوعي». هكذا أكتشف اليوم أنني عرفتُ إيران أول ما عرفتها من خلال تلك الأعمال التلفزيونية المدبلجة، كما عرف آخرون من أقراني الثقافة التركية أو الهندية من المسلسلات المدبلجة. 

غني عن الذكر أنني أتحدث هنا عن مرحلة يفاعة سبقت تعرفي على سينما عباس كيارستمي ومجيد مجيدي ومحسن مخملباف وآخرين، وقبل أن أطالع أشعار سهراب سبهري وفروغ فرخزاد، وقبل أن أقرأ ما كتبه إيرانيو المهجر، من أمثال حميد دباشي وآذر نفيسي، عن إيران وتحولات المجتمع في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979. إلا أن الحقيقة التي لا بدَّ من جرأةٍ كي أبوح بها، أن تلك الصور الأولى، النمطية إلى درجة بعيدة (والتي تختزلها صورة المرأة الإيرانية في عباءة الرأس) ما زالت تسكن طبقة قديمة من الذاكرة، وما زالت ظلالها تنعكس على تجربتي المعرفية في سبيل الإجابة عن السؤال الجدلي الذي يشغلني ويشغل الكثيرين اليوم: ما هي إيران؟ ومن هم هؤلاء الإيرانيون؟ 

باسترجاع سريع أتذكر أن تلك المسلسلات الإيرانية كانت تخالف قيم الأعمال الدرامية الأمريكية وتناقِضها في كل شيء تقريبًا، باستثناء الميل الإيديولوجي نحو المبالغة. فالالتزام الرسالي في المسلسل الإيراني، بمعناه السياسي والأخلاقي والتربوي، لا يختلف عن «التزام» منتجات نتفليكس وهوليوود مثلًا، أعني التزامها بما يمكن اعتباره قيمًا مضادة للمنتج الإيراني. من قال إن السينما الأمريكية التجارية لا تتبنى نظريات الالتزام أيضًا؟ 

تخيل لو أنك، في طفولتك، كنت تنتقل بين تلفزيون المنار وقنوات «أم بي سي» التي تعرض المسلسلات والأفلام الأجنبية. هل سيكون بوسعك أن تربي ذائقةً فنية منسجمة فيما أنت عُرضة لخطابين متناقضين كل التناقض، وأن ذلك التناقض بين هوليوود و«سينما الدفاع المقدس» سيقود إلى إغلاق مضيق هرمز بعد سنوات وسيأخذ المنطقة إلى «حرب حضارية» تشعل مياه الخليج وتنذر باستخدام السلاح النووي؟ 

تتميز الأعمال الإيرانية بمستوى عالٍ من «الحشمة»؛ فقصص الحب كلها عذرية، والعشّاق خجولون أكثر مما ينبغي، والنساء لا يظهرن إلا في أناقة من ثيابٍ لا تكشف سوى صفحة الوجه واليدين. وربما، لطبيعتها تلك، وجدنا الأفلام والمسلسلات الإيرانية مناسبة للفرجة العائلية. 

عبثًا حاولت البحث في مصادر الإنترنت المتاحة عن مسلسل إيراني قديم أُنتج في مطلع الألفية الجديدة وعُرض مدبلجًا بالعربية الفصحى. كان اسمه بالفارسية «خاك سرخ» أي «التربة الحمراء». وهو يصور مأساة عائلة صغيرة يحاول أفرادها لمَّ شملهم خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، ولا داعي أن أشرح كيف يصور المسلسل الجنود العراقيين وكأنهم عصابة من القساة الأغبياء. سأعرف بعد سنوات من صديقي العراقي أن «خرمشهر» التي تدور فيها أحداث المسلسل هي «المحمَّرة» عند العرب. وطبعًا لا بدَّ أن تكون هناك قصة حب تخلل الحرب، قصة حب عفيفة وفقًا لمعايير الثورة الإسلامية وضوابطها. فهل هناك في هذا العالم قصة حب واحدة لا يمكن اعتبارها قصة سياسية؟ 

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني