No Image
رأي عُمان

جودة الحياة .. حين تظهر التنمية في حياة الناس

05 أغسطس 2026
05 أغسطس 2026

تأخذ مؤشرات جودة الحياة قيمتها حين تتقاطع نتائجها مع ما يلمسه الناس في يومهم العادي. وجاءت عُمان في صدارة الدول الآسيوية في إصدار منتصف عام 2026 من مؤشر «نامبيو» لجودة الحياة، وهو مؤشر دولي واسع التداول يجمع بين بيانات الأسعار وتقييمات يقدمها المستخدمون. وتوفر هذه النتيجة، ضمن حدود منهجية المؤشر، مدخلا لقراءة أوسع لمسار التنمية في عُمان، وللعلاقة بين ما تنجزه المؤسسات وما يشعر به الإنسان في تفاصيل حياته.

يتكون المؤشر من عناصر تبدو متفرقة، لكنها ترسم في مجموعها صورة المكان الذي يستطيع الناس أن يعيشوا فيه بأمان واستقرار، فهو يقيس القدرة الشرائية وكلفة السكن وجودة الرعاية الصحية وزمن التنقل ومستويات الأمان والتلوث إلى جانب المناخ. وقد استفادت عُمان خصوصا من ارتفاع الأمان وانخفاض نسبة أسعار العقارات إلى الدخل والاعتدال النسبي في كلفة المعيشة وقصر الوقت الذي يقضيه الناس في الانتقال إلى أعمالهم ومدارسهم.

هذه العناصر ثمرة مسارات متقاطعة من العمل الاقتصادي والاجتماعي والعمراني، فأثر التنمية يظهر في الطرق وفي الخدمة الصحية وفي الأحياء السكنية التي تحفظ للناس أمنهم وأمانهم وهدوءهم وفي البيئة التي تبقى صالحة للحياة. ومن هنا ينتقل السؤال التنموي من حجم ما يُبنى إلى كفاءته ومن عدد المشروعات إلى أثرها في حياة المجتمع وقدرتها على الاستمرار.

وتبدو عُمان اليوم أمام فرصة لتعميق هذا المعنى في خططها المقبلة، فالاستثمارات في المدن الجديدة وتطوير المحافظات وتحسين الخدمات وتنويع الاقتصاد، يمكن أن تلتقي حول غاية واحدة هي رفع نوعية الحياة. وهذا يمنح التخطيط معيارا واضحا يمكن من خلاله تقييم المشروعات قبل تنفيذها وفق أثرها في السكن والنقل والعمل والصحة والبيئة، ومدى وصول منافعها إلى مختلف فئات المجتمع.

وتكتسب جودة الحياة أهمية إضافية في قطاع السياحة، فالخصائص التي تجعل بلدا مناسبا للحياة تجعله أيضا جديرا بالزيارة. يبحث السائح عن الأمان وسهولة الحركة ونظافة المكان وجودة الخدمات بقدر بحثه عن الطبيعة والتراث والثقافة.

وتمتلك عُمان في هذا المجال ميزة قائمة على تنوعها الطبيعي وخصوصية مجتمعاتها المحلية وقدرتها على تقديم تجربة أقل ازدحاما وأكثر اتصالًا بالمكان.

غير أن تحويل هذه الميزة إلى قيمة اقتصادية يحتاج إلى توازن دقيق، فالنمو السياحي السريع قد يضغط على الموارد والمواقع الطبيعية ويرفع كلفة الخدمات والسكن ويولد ازدحاما يفقد الوجهات بعض جاذبيتها. وتنجح السياحة حين ترفع دخل المجتمعات المحلية وتخلق فرصا مستدامة وتوزع الحركة بين المحافظات، وتحافظ في الوقت نفسه على جودة حياة السكان.

كما ينبغي قراءة التصنيف في ضوء ما لا تقيسه أرقامه، فالمتوسط الوطني قد يخفي تفاوتا بين محافظة وأخرى وما تشمله من تفاصيل حياتية. وستبقى هذه الملفات جزءا أساسيا من أي تصور متكامل لجودة الحياة إلى جانب تطوير الرعاية الصحية وبناء منظومة نقل عام وطنية وحماية القدرة على تحمل كلفة السكن.

إن تقدم عُمان في المؤشر يمنحها إشارة إلى قيمة ما تراكم ويضع أمامها في الوقت نفسه مسؤولية الحفاظ عليه، فالمركز في جدول دولي صورة عابرة أما المنجز الأعمق فهو أن تصبح جودة الحياة قاعدة للتخطيط، وأن يرى الإنسان أثر التنمية في المكان الذي يعيش فيه والعمل الذي يمارسه والمستقبل الذي يستطيع بناءه.