No Image
رأي عُمان

الأمن الغذائي .. من الاكتفاء إلى التنافسية

03 أغسطس 2026
03 أغسطس 2026

يشكل الأمن الغذائي أحد أهم مقومات استقرار الدول واستقلال قرارها، فالدولة التي تمتلك منظومة قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية، أو على الأقل تأمينها بكفاءة ومرونة، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وحماية اقتصادها من التقلبات العالمية؛ لهذا تحول الأمن الغذائي إلى قضية اقتصادية واستراتيجية تتقاطع مع الأمن الوطني والتنمية المستدامة.

وفي السنوات الأخيرة، أثبتت الأحداث أن الغذاء لم يعد بمنأى عن التحولات السياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم؛ فالحروب والتغيرات المناخية وتعطل سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن، إضافة إلى القيود التي فرضتها بعض الدول على صادراتها الزراعية، أظهرت أن ضمان وصول الغذاء للأسواق لا يقل أهمية عن إنتاجه؛ لذلك فإن الدول التي بادرت إلى بناء منظومات غذائية متكاملة واستثمرت في الإنتاج والتخزين والخدمات اللوجستية، كانت أكثر استجابة على احتواء آثار الأزمات والحفاظ على استقرار أسواقها.

من هذا المنطلق، أصبح الأمن الغذائي مشروعا وطنيا تتكامل فيه أدوار كافة القطاعات، فالاستثمار في الزراعة الحديثة، وتنمية الثروة السمكية، وتطوير الصناعات الغذائية وإنشاء المخازن الاستراتيجية وتوظيف التقنيات، كلها ترتبط بمنظومة واحدة هدفها تعزيز قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها الأساسية، وتقليل تأثرها بالتقلبات الخارجية.

ويلقى ملف الأمن الغذائي في سلطنة عُمان اهتماما متزايدا، لإدراكها أن بناء اقتصاد متنوع لا ينفصل عن بناء منظومة غذائية متكاملة ومستدامة. واستطاعت أن تحقق مؤشرات ونتائج إيجابية ضمن استراتيجيتها، ففي المرحلة الأولى من رؤية «عمان 2040» بلغ عدد المشروعات في قطاع الغذاء 493 مشروعا، باستثمارات تقارب ملياري ريال عُماني، مع الاستمرار في تطوير الموانئ والمناطق اللوجستية التي تعزز كفاءة سلاسل الإمداد، وتوفر بيئة جاذبة للاستثمارات في الصناعات الغذائية.

ومع التحسن المتواصل للأنشطة المرتبطة بالإنتاج الزراعي والسمكي بتسجيلها خلال الربع الأول من هذا العام، نموا بنسبة 6.1 بالمائة، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال إلى مستوى أكثر طموحا، وأن يكون قطاع الغذاء أكثر إسهاما في التنويع الاقتصادي، بتنفيذ مشروعات المدن الزراعية المتكاملة، لما تمثله من أهمية في زيادة الإنتاج وتعظيم القيمة، وتبني التقنيات الحديثة لتحسين كفاءة الموارد وتشجيع الاستثمار.

ولعل ما يميز التجربة العُمانية أنها تنظر إلى الأمن الغذائي باعتباره استثمارا استراتيجيا طويل الأجل. فكل مشروع جديد في الزراعة أو الثروة السمكية أو الصناعات الغذائية يضيف قيمة للاقتصاد الوطني، ويزيد من تنافسيته، ويرسخ مكانة عُمان كمركز إقليمي للإنتاج والتصنيع والتوزيع.

إن الاستثمار في الأمن الغذائي هو استثمار في المستقبل، وخيار يمنح الأجيال القادمة اقتصادا أكثر قدرة على النمو، وأكثر استعدادًا لمواجهة تحديات عالم لا يتوقف عن التغير، ببناء منظومة إنتاج واستثمار وإمداد قادرة على الصمود أمام الأزمات.