الحياد الصفري .. واختبار التنفيذ
04 أغسطس 2026
04 أغسطس 2026
رسمت سلطنة عُمان في تقرير مساهماتها المحددة وطنيا الثالث، مسارا كميا لخفض الانبعاثات حتى عام 2035، بما يُدخل العمل المناخي بصورة أوضح في صميم سياساتها العامة. فقد بلغت انبعاثات سلطنة عمان عام 2024 نحو 93.6 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وتعهدت بخفضها 7٪ بحلول عام 2035 بمواردها الوطنية، مع إمكان رفع الخفض إلى 33٪ إذا توفر التمويل والدعم الفني ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات. اختيار سنة أساس ثابتة يمنح التعهد قدرا أكبر من الوضوح، فالأهداف المناخية تفقد كثيرا من قيمتها حين تُقاس مقارنة بمسارات افتراضية يصعب على الرأي العام متابعتها، أما القياس انطلاقا من انبعاثات فعلية، فيتيح معرفة ما إذا كانت السياسات والمشروعات قد أحدثت تحولًا حقيقيا، ويجعل الالتزام قابلًا للقياس والمراجعة والمساءلة.
وبحساب الأرقام، يعني الهدف غير المشروط خفض نحو 6.6 مليون طن خلال أحد عشر عاما، فيما يرتفع إجمالي الخفض المحتمل إلى قرابة 30.9 مليون طن. والفارق الواسع بين المستويين يكشف جانبا أساسيا من معادلة المناخ. تلتزم عُمان بتنفيذ جزء من التحول بإمكاناتها، بينما يرتبط الوصول إلى المستوى الأعلى من الخفض بقدرة النظام المالي والتقني الدولي على الوفاء بالتزاماته تجاه الدول النامية.
لكن التمويل الخارجي، مهما بلغت أهميته، ينبغي أن يسير بالتوازي مع إعادة ترتيب الداخل، فالانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون يمر عبر طريقة إنتاج الكهرباء وكفاءة المصانع والمباني وإدارة النفايات وأنماط النقل واستخدام الأراضي، كما يرتبط بقدرة الصناعات العُمانية على المنافسة في أسواق تتجه تدريجيا إلى فرض معايير أشد على الانبعاثات المرتبطة بالسلع، ومن هذه الزاوية، يصبح خفض الكربون جزءا من سياسة التنويع الاقتصادي وحماية الصادرات واستقطاب الاستثمار.
وفي عُمان نعرف آثار تغير المناخ من مواسم الجفاف، ومن تصاعد درجات الحرارة، ومن الساعات التي تختبر فيها الأودية والأعاصير قدرة المدن وبنيتها الأساسية على الصمود؛ لذلك يحتل التكيف مكانة توازي خفض الانبعاثات. أمن المياه وحماية السواحل واستدامة الثروة السمكية وجاهزية المؤسسات الصحية وتصميم المدن والطرق، كلها تدخل اليوم في صميم السياسة المناخية.
ويبقى التحدي في المسافة بين الوثيقة والتنفيذ؛ إذ تحتاج المرحلة المقبلة إلى أهداف قطاعية ومحطات قياس مرحلية وتمويل محدد وتوزيع واضح للمسؤوليات وتقارير دورية تبيّن ما تحقق وما تعثر، والعوائق التمويلية أو الإدارية التي حالت دون إنجازه. فهدف الحياد الصفري في 2050 يترك خمسة عشر عاما فقط بعد موعد التعهد الجديد، وأي تأخير حتى 2035 سيجعل التحول اللاحق أسرع وأعلى كلفة.
قيمة التقرير ستظهر حين تتحول أهدافه إلى معايير توجه قرارات الاستثمار والتخطيط منذ الآن. لقد أصبح عام 2035 موعدا معلوما، وأصبحت نقطة البداية معلومة أيضا، وبين الرقمين تقع مهمة وطنية تمس الاقتصاد والمياه والمدن ونوعية الحياة، ويقاس نجاحها بما يتغير على الأرض.
