عن تقرير حقوق الإنسان
28 يوليو 2026
28 يوليو 2026
تدخل حقوق الإنسان في سلطنة عُمان مرحلة مختلفة من تطورها المؤسسي؛ فبعد عقود تركز فيها جهد الدولة على توسيع التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وبناء الجهاز القانوني أصبح الجهد أكثر اتصالًا بنوعية عمل هذه المؤسسات، وقدرتها على اكتشاف الخلل والاستجابة للمتضرر، وتحويل الحالات الفردية المتكررة إلى معرفة تساعد على إصلاح السياسات العامة.
في هذا السياق ينبغي قراءة حصيلة اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان لعام 2025؛ فاللجنة تلقت ورصدت 1479 حالة. ولا يقدم الرقم منفردا حكما على الحالة الحقوقية؛ فقد يكون ارتفاع الشكاوى نتيجة اتساع الوعي، أو سهولة الوصول، أو نمو الثقة في آليات التظلم. الدلالة الأعمق للرقم تكمن في وجود مؤسسة تستقبل الإشارات القادمة من المجتمع، وتختبر المسافة بين الحقوق التي تقررها القوانين والحقوق التي يستطيع الإنسان ممارستها فعلًا.
هذه المسافة هي الميدان الحقيقي لعمل المؤسسات الحقوقية الوطنية؛ فالقانون قد يقرر حق الطفل في الحماية، ثم تظهر المنصات الرقمية أشكالًا من الاستغلال لم تكن الأدوات التشريعية مهيأة لها.
وقد تكفل منظومة الحماية الاجتماعية حقا لفئة معينة، لكن تعقيد الإجراءات يحول دون وصول بعض المستحقين إليه، والأمر نفسه مع بقية المؤسسات التي توفر الخدمات، لكن تظهر معها بعض التعقيدات التي تؤخر وصول الحق الإنساني لصاحبه.
يكتسب تقرير اللجنة أهميته من تنوع هذه النوافذ؛ فقد تابع أوضاع النزلاء والموقوفين، وسكن العمال والحماية الاجتماعية والصحة والتعليم، ورصد استغلال الأطفال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ودفع باتجاه أطر قانونية أكثر تحديدا لحمايتهم. كما أتاح دليل حقوق القوى العاملة بست لغات توسيع دائرة المعرفة بالحقوق؛ لتشمل جماعات قد تحرمها اللغة من فهم وسائل الإنصاف المتاحة أمامها. هذه التفاصيل تعكس انتقال العمل الحقوقي تدريجيا من معالجة القضايا بعد وقوعها إلى بناء القدرة على الوقاية منها.
ويرصد التقرير -في الإطار الوطني الأوسع- منح ورد الجنسية العُمانية لـ329 شخصا، وشمول العفو السامي 2115 نزيلًا إلى جانب توسع خدمات علاج الإدمان والتأهيل. وتلتقي هذه الإجراءات عند تصور أكثر تطورا لوظيفة الدولة: صون الاستقرار القانوني والأسري، وإعطاء التأهيل وإعادة الاندماج موقعا داخل منظومة العدالة.
غير أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تحويل التقرير السنوي إلى خريطة أكثر دقة للحالة الحقوقية: تصنيف الحالات، ونسب التسوية، ومدد الاستجابة، والقطاعات التي تتكرر فيها الشكاوى، والتوصيات التي أفضت إلى تعديل إجراء أو سياسة. فالأرقام تكتسب معناها حين تكشف الاتجاهات، وتساعد الدولة والمجتمع على معرفة مواضع التقدم ومصادر الخلل.
قوة الدولة الحديثة تظهر في قدرتها على مراجعة أدائها، وتصحيح مسارها. وتؤدي اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان دورا محوريا في هذه العملية حين تجعل تجربة الفرد جزءا من المعرفة التي تستند إليها الدولة في تطوير قوانينها ومؤسساتها. عندئذ تصبح حماية الحقوق عنصرا في بناء الاستقرار والثقة، ومقياسا لنضج الإدارة، وقدرتها على وضع كرامة الإنسان في صميم عملها.
