No Image
رأي عُمان

هرمز.. وحق المنطقة في صناعة الحل

29 يوليو 2026
29 يوليو 2026

منذ اندلاع الأزمة في مضيق هرمز عومل الخليج مرة أخرى بوصفه ساحة تتصارع فيها القوى، بينما تنتظر دوله ما ستنتهي إليه المفاوضات أو ما ستفرضه الضربات العسكرية. تُقرر الحرب مصير الملاحة وتحدد القوى الخارجية توقيت التصعيد والتهدئة ثم يُطلب من شعوب المنطقة تحمُّل ارتفاع الأسعار وتعطل الإمدادات وتهديد الموانئ والمنشآت. هذا الترتيب فقد صلاحيته، والتحرك العُماني الجاري يفتح طريقا مختلفا يقوم على انتقال دول الخليج من انتظار الحل إلى المشاركة في صناعته. 

لم تعلن سلطنة عُمان تفاصيل الأفكار التي تبحثها مع دول الخليج وبقية دول الخليج ومع دول المنطقة والأطراف الدولية، ويقتضي ذلك قدرا من الحذر في توصيفها، إلا أن البيانات الرسمية والمشاورات الخليجية المتواصلة تكشف عن اتجاه واضح هدفه حماية حرية الملاحة وخفض احتمالات المواجهة والتوصل إلى ترتيبات تحترم القانون الدولي وحقوق الدول المشاطئة للمضيق. وتكمن أهمية هذا التحرك في الرؤية التي تقف خلفه حيث يصبح المضيق مسؤولية إقليمية ودولية مشتركة، ويغدو أمنه شأنا يتطلب قواعد دائمة بدلًا من الترتيبات العسكرية المؤقتة. 

عاشت دول الخليج عقودا داخل نظام أمني صاغته القوى الخارجية ووعد بحمايتها من الحروب، لكن هذا النظام أبقى المنطقة تحت تهديد دائم وراكم القواعد والأسلحة من دون أن يبني الثقة أو يعالج مصادر الصراع. وعندما اندلعت الحرب تحولت المظلة الأمنية نفسها إلى جزء من الأزمة إذ دخلت أراضي المنطقة ومياهها في حسابات الصراع واضطربت تجارتها وأصبحت اقتصاداتها رهينة قرارات تُتخذ خارجها. لذلك يحمل التحرك العُماني معنى سياسيا يتجاوز إعادة السفن إلى مساراتها، فهو يعيد طرح السؤال عمن يملك حق تحديد مستقبل الخليج. 

تملك عُمان، بحكم الجغرافيا والسيادة والتاريخ، مسؤولية خاصة في مضيق هرمز، لكنها تتحرك أيضا من إدراك أن الأمن البحري لا يستقر بسيطرة دولة واحدة ولا بحضور أساطيل تستطيع فتح ممر ليوم ثم تتركه تحت خطر الهجوم في اليوم التالي، يحتاج الاستقرار إلى قبول متبادل بحقوق العبور وآليات للسلامة والإنقاذ وحماية البيئة وتفاهم يمنع استخدام السفن والتجارة والطاقة أدوات للضغط السياسي. 

وتتطلب هذه الرؤية إشراك إيران بوصفها دولة مشاطئة وفاعلًا إقليميا رئيسيا، مع رفض منح أي طرف سلطة تعطيل ممر تعتمد عليه حياة ملايين البشر. كما تتطلب حضور دول الخليج والعراق والدول المستخدمة للمضيق ضمن إطار يحفظ السيادة ويمنع الاحتكار. وقد تواجه هذه العملية رفضا ومناقشات حادة؛ فالأزمات التي أنتجت هذا القدر من القوة والخوف لن تُحل سريعا، غير أن البديل يعيد المنطقة إلى دائرة الضربات العنيفة والضربات المضادة ومحاولة فتح المضيق بالقوة.. وكل هذا يقود المنطقة من أزمة إلى أخرى ويفتح جبهات حرب جديدة. 

تمنح الجهود العُمانية الخليج فرصة لاستعادة دوره السياسي بعد أن دفع طويلًا كلفة سياسات الآخرين. ونجاحها سيقاس بقدرتها على بناء قواعد تجعل الحرب أصعب والملاحة أكثر أمنا وقرار المنطقة أقرب إلى شعوبها ومصالحها. والأشهر الماضية تؤكد أن السلام في المنطقة يتحقق حين تكون دولها هي صاحبة مشروع الحل لا أرضا تنتظر نتائج الصراع.