No Image
رأي عُمان

فلسطين.. أساس النظام الإقليمي

01 أغسطس 2026
01 أغسطس 2026

اتساع الحرب من غزة إلى لبنان والبحر الأحمر والخليج أعاد إلى الواجهة حقيقة حاولت قوى كثيرة تجاوزها طوال سنوات، أنه لا يمكن عزل القضية الفلسطينية عن أمن المنطقة؛ فالحدود التي رُسمت بين هذه الملفات على خرائط الدبلوماسية لم تصمد أمام الواقع، وما جرى التعامل معه بوصفه نزاعا قابلا للاحتواء تحوّل إلى مصدر اضطراب يطال الدول والممرات البحرية والاقتصاد العالمي. 

على مدى عقدين تقريبا، تراجعت فكرة حل الصراع أمام سياسة «إدارته»، قامت هذه السياسة على إضعاف السلطة الفلسطينية سياسيا وماليا، وعزل غزة عن الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات وترك وعد الدولة الفلسطينية المستقلة معلقا في بيانات لا تملك طريقا إلى التنفيذ. واصلت حكومات غربية إعلان تمسكها بحل الدولتين فيما تعاملت عمليا مع الزمن كأنه متوقف ومع الاحتلال كأنه وضع يمكن تنظيم آثاره إلى أجل غير محدد. 

لكن إدارة الصراع لم تكن حالة انتظار محايدة، كانت سياسة تعيد تشكيل الأرض والمجتمع كل يوم، فقد جعل التوسع الاستيطاني قيام دولة فلسطينية متصلة أكثر صعوبة، وأضعف غياب الأفق السياسي القوى الفلسطينية المؤمنة بالتسوية ورسخ لدى الإسرائيليين الاعتقاد بأن التفوق العسكري يستطيع تأمين الاحتلال وحماية الدولة في الوقت نفسه.. كان الهدوء الظاهر يخفي تحته انهيار الشروط التي يمكن أن يقوم عليها السلام. 

مثّل بنيامين نتنياهو أكثر التعبيرات وضوحا عن هذا النهج، لكن اختزال الأزمة في شخصه يضلل أكثر مما يفسر، فقد وجدت سياسته غطاء أمريكيا وترددا أوروبيا وعجزا دوليا عن فرض القانون، كما استفادت من انقسام فلسطيني. 

تكشف الحرب الراهنة الخلل الأعمق في التصورات التي حكمت الأمن الإقليمي، فقد قامت هذه التصورات على تفاوت واضح في قيمة الأمن والسيادة: أمن إسرائيل عومل باعتباره حقا مطلقا يمتد إلى خارج حدودها، فيما ظل أمن الفلسطينيين وحريتهم وحقهم في الدولة مشروطا باعتبارات تتغير باستمرار، وحين تخضع القواعد لهذا التفاوت يفقد القانون قدرته على تنظيم العلاقات وتصبح القوة المرجع الذي يحتكم إليه الجميع. خلال السنوات الماضية، جرى اختبار فكرة أن اندماج إسرائيل اقتصاديا وأمنيا في المنطقة يمكن أن يسبق الحل الفلسطيني وربما يساعد على الوصول إليه لاحقا، لكن الفصل بين المسارين منح إسرائيل فوائد الاندماج من دون أن يفرض عليها كلفة إنهاء الاحتلال، وقلّص أثر الورقة الدبلوماسية العربية. وأثبتت الحرب أن المصالح الاقتصادية تستطيع تنظيم العلاقات بين الحكومات لكنها لا تستطيع حماية المنطقة ما دام شعب كامل خارج معادلة السيادة والحقوق. 

الدولة الفلسطينية، وفق هذا الفهم، هي المدخل السياسي إلى الاستقرار الإقليمي، فتأجيلها إلى ما بعد تحقق الأمن يقلب العلاقة بين السبب والنتيجة؛ لأن غيابها أحد أهم مصادر انعدام الأمن، كما أن إعادة إعمار غزة من دون ربطها بوحدة الأرض الفلسطينية وبمشروع سياسي قابل للحياة ستجعل القطاع مرة أخرى مساحة لإدارة أزمة إنسانية تتجدد مع كل جولة من الصراع. 

تقدم المبادرة العربية للسلام أساسا صالحا لإطلاق مسار إقليمي جديد، لكنها تحتاج اليوم إلى الانتقال من صيغة العرض التاريخي إلى عملية سياسية ملزمة. وهذا يقتضي جدولا واضحا لإنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان وإعادة توحيد غزة والضفة ضمن إطار سياسي فلسطيني واحد يتمتع بالشرعية والقدرة على الحكم وتوفير ضمانات أمنية متبادلة وآليات دولية لمراقبة التنفيذ. وينبغي أن تشارك دول المنطقة في صياغة هذا المسار وأن يتجاوز دورها تمويل الإعمار واحتواء نتائج الحروب التي يصنعها الآخرون. 

لن تؤدي تسوية القضية الفلسطينية وحدها إلى إنهاء كل صراعات الشرق الأوسط؛ فالتنافس بين القوى ومشكلات الدولة والسلاح ستبقى حاضرة، لكنها ستغلق أحد أخطر منافذ الفوضى وتعيد تأسيس الأمن على قاعدة السيادة المتساوية والقانون الذي يسري على الجميع وعدم ربط الحقوق بموازين القوى. 

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن نظاما مستقرا لا يمكن أن يُبنى حول الفراغ الفلسطيني، السلام يبدأ حين تصبح السيادة الفلسطينية جزءا من تعريف الأمن الإقليمي وحين تخضع أمن الدول وحقوق الشعوب لقاعدة واحدة لا تتغير باختلاف موازين القوة.