السياحة الداخلية واقتصاد المكان
تظهر القيمة الحقيقية للسياحة الداخلية حين تتحول رحلة الأسرة إلى حركة اقتصادية تمتد آثارها إلى قطاعات واسعة. فالمبلغ الذي يُنفق على الإقامة ينتقل جزء منه إلى العاملين والموردين، وما يُصرف على الطعام والنقل والتسوق يصل إلى المطاعم والمتاجر وسيارات الأجرة والمشروعات الصغيرة. وكلما طالت إقامة الزائر واتسعت خياراته، ازدادت قدرة السياحة على توزيع الدخل بين المدن والولايات وخلق فرص موسمية قابلة للتطور إلى أعمال مستدامة.
وتقدم محافظة ظفار نموذجا واضحا لهذه الدورة الاقتصادية، فقد استقبل موسم الخريف نحو 962 ألف زائر عام 2023، وارتفع العدد إلى أكثر من مليون و70 ألفا عام 2025، بنمو بلغ 11.3% خلال عامين. وشكّل العُمانيون أكثر من 70% من زوار الموسم الأخير، وهي نسبة تؤكد أن السياحة الداخلية أصبحت قاعدة الطلب السياحي في المحافظة، فيما يضيف القادمون من دول مجلس التعاون والأسواق الأخرى بعدا إقليميا متناميا.
ومن يزور محافظة ظفار اليوم، ويقارن تجربته بما كانت عليه قبل ثلاثة أعوام، يلحظ تغيرا يتجاوز زيادة الفعاليات، فقد اتسع الفضاء السياحي نفسه عبر تطوير الطرق والمطلّات والمواقع الطبيعية، وإنشاء مساحات عامة ومناطق ترفيهية، وتوزيع الأنشطة على أكثر من موقع، إلى جانب زيادة خيارات الإقامة والخدمات والمطاعم والمقاهي. وفي موسم هذا العام يتوزع أكثر من 125 برنامجا وفعالية ثقافية ورياضية وترفيهية على مواقع وولايات مختلفة، بما يخفف تركز الحركة في مكان واحد ويمنح الزائر أسبابا إضافية لإطالة إقامته. وتكمن أهمية هذا التحول في أن البنية الأساسية والخدمات أصبحت شريكا فعليا للطبيعة في صناعة الجذب السياحي، فالخريف يمنح محافظة ظفار ميزتها المناخية الفريدة، فيما تصنع الطرق والمرافق والنظافة والتنظيم وجودة الإقامة وسهولة الوصول التجربة التي تحدد قرار الأسرة بالعودة. وقد قطعت المحافظة خلال السنوات الثلاث الأخيرة مسافة كبيرة في الانتقال من موسم يعتمد أساسا على جمال المكان إلى وجهة توفر حول هذا الجمال منظومة أوسع من الخدمات والأنشطة.
وتملك محافظة ظفار ميزة أخرى تزداد قيمتها في المرحلة الراهنة، تتمثل في كونها وجهة أسرية آمنة داخل مجتمع مستقر، بعيدا عن كثير من الاضطرابات التي تربك حركة السفر في مناطق مختلفة من العالم. تستطيع الأسرة الوصول إليها برا أو جوا، واختيار مستوى الإقامة الذي يناسب ميزانيتها، والتنقل بين الطبيعة والأسواق والمواقع الثقافية والأنشطة المخصصة للأطفال. ومع اتساع شبكة الطرق وتنوع المنشآت الفندقية والشقق السياحية والخدمات، أصبحت تجربة السفر إلى المحافظة متاحة لشريحة أوسع من المواطنين والمقيمين.
ومع ذلك، يظل نجاح الموسم مرتبطا بقدرة الجهات المعنية والسوق على معالجة الضغوط التي ترافق ذروة الطلب، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار بعض أماكن الإقامة والازدحام والضغط على المواقع الطبيعية، فالسائح الداخلي شديد الحساسية للكلفة واستمرار تدفقه يتطلب أسعارا واضحة ومعقولة ورقابة فعالة.
إن ما يجري في محافظة ظفار يوضح كيف تستطيع السياحة الداخلية تنشيط الاقتصاد المحلي حين تتوفر لها البنية الأساسية والتجربة الجيدة والثقة. والتحدي المقبل يتمثل في تعميق أثر هذا النشاط داخل المجتمع عبر منح المؤسسات الصغيرة والمنتجين والحرفيين وأصحاب الخدمات حصة أكبر من إنفاق الزوار، ورفع جاذبية شهر سبتمبر بما يوزع الطلب على مدة أطول ويخفف الضغط عن أسابيع الذروة. عندئذ تصبح السياحة أداة عملية لتوزيع التنمية وتنويع مصادر الدخل وبناء اقتصاد محلي أكثر قدرة على الاستمرار.
