No Image
رأي عُمان

عُمان ومنع الحرب من كتابة المستقبل

26 يوليو 2026
26 يوليو 2026

تعيش سلطنة عُمان الحرب الجارية في المنطقة من موقع شديد التعقيد، فهي تتحرك بين أطرافها لفتح طريق نحو التهدئة، وفي الوقت نفسه تقع داخل الجغرافيا التي تهددها الحرب وتعيد ترتيب توازناتها. مضيق هرمز جزء من أمن وسيادة عُمان واضطراب الملاحة فيه يطال اقتصادها وموانئها وخططها التنموية، وأي نظام إقليمي تفرزه هذه الحرب سيؤثر في موقعها وعلاقاتها لعقود.. لذلك تمثل الوساطة العُمانية في هذه الأزمة امتدادا لسياستها التاريخية كما تمثل دفاعا مباشرا عن أمن الدولة ومستقبل المنطقة. 

اكتسبت عُمان خلال العقود الماضية قدرة نادرة على مخاطبة أطراف انقطعت الصلات بينها، ساعدت اتصالاتها الهادئة في تمهيد الطريق إلى الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، وأسهمت في ملفات اليمن، وفي تهيئة الطريق أمام التقارب السعودي الإيراني، وفي تسهيل إطلاق محتجزين خلال أزمات مختلفة. 

وتكشف هذه السوابق عن منهج متماسك يتجاوز تسجيل النجاحات الدبلوماسية، ويقوم على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة والفصل بين الخلاف والعداء وإدراك أن دول المنطقة ستظل متجاورة بعد انتهاء الحروب مهما بلغت حدة المواجهة بينها. 

تمنح هذه السياسة عُمان أوراقا مهمة في الأزمة الراهنة، فهي تحتفظ بعلاقات فاعلة مع طهران وواشنطن، وتنتمي إلى مجلس التعاون وتملك خبرة متراكمة في إدارة المفاوضات غير المباشرة، كما تتحمل مسؤولية قانونية وسيادية خاصة في مضيق هرمز. غير أن قيمة هذه الأوراق تكمن في قدرتها على فتح مسارات التسوية، فيما يبقى قرار السير فيها مرهونا بأطراف ما زالت تعتقد أن مزيدا من القوة قد يحسن شروطها السياسية. 

لهذا تبدو الوساطة اليوم أصعب من تجاربها السابقة، فالصراع تجاوز الخلاف على البرنامج النووي والعقوبات إلى نزاع على قواعد الأمن الإقليمي وحرية الملاحة وحدود النفوذ ودور الولايات المتحدة في الخليج. وانتقال التوتر من هرمز إلى البحر الأحمر يؤكد أن المنطقة تواجه أزمة مترابطة تمتد من الخليج إلى باب المندب، وأن الاتفاقات الجزئية قد تخفض التصعيد من دون أن تعالج البيئة التي تعيد إنتاجه. 

ستتوقف الحرب في وقت ما، لكن توقف القتال وحده لن يحدد شكل اليوم التالي. 

قد تنتهي المنطقة إلى هدنة هشة تترك أسباب الحرب قائمة، وقد يتشكل نظام إقليمي تفرضه موازين القوة ونتائج المواجهة. وفي الحالين تحتاج دول المنطقة إلى منع الحرب من الانفراد بكتابة مستقبلها، فالنظام الذي يقوم على استبعاد إيران سيظل محكوما بالصراع معها، والنظام الذي يدمجها من دون أن يُخضع نفوذ جميع أطرافه لقواعد والتزامات متبادلة سيعيد إنتاج أسباب الصراع. 

وهنا يكتسب التصور العُماني لأمن إقليمي شامل أهميته، إذ يدعو إلى إشراك الدول الثماني المطلة على الخليج في ترتيبات تقوم على احترام السيادة وحرية الملاحة وعدم الاعتداء وحماية المنشآت المدنية، إلى جانب إنشاء آليات دائمة لمنع التصعيد. ويحتاج هذا التصور إلى التزامات قابلة للتحقق وضمانات واضحة، حتى ينتقل من مبدأ دبلوماسي إلى بنية أمنية قادرة على الصمود. 

يُقاس أثر الوساطة العُمانية الآن بقدرتها على فتح طريق يحد من اتساع الحرب، ثم بإبقائها سؤال المستقبل حاضرا بعد توقف القتال. فالمهمة التاريخية أمام عُمان ودول المنطقة تتمثل في منع هذه الحرب من أن تصبح الوثيقة التأسيسية للنظام الإقليمي المقبل.