لماذا تقترب أوروبا والصين من حرب تجارية؟
03 أغسطس 2026
03 أغسطس 2026
ترجمة: نهى مصطفى
سعى الرئيس الصيني شي جين بينج في عام 2025 إلى استغلال توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، مقدمًا الصين بوصفها قوة عظمى أكثر مسؤولية. في رسالة بمناسبة الذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والاتحاد الأوروبي، دعا شي بروكسل إلى التعاون مع بكين لـ«دعم التعددية، وحماية الإنصاف والعدالة»، و«معارضة الأحادية والتسلط». لكن هذا الخطاب لم يترجم إلى خطوات عملية، إذ لم تتخذ بكين أي إجراءات لمعالجة المخاوف الأوروبية من ممارساتها التجارية التي تهدد قطاعات واسعة من الصناعة. وتجاهل رئيس الوزراء لي تشيانج هذه المخاوف، داعيًا الأوروبيين إلى الكف عن الحديث عن «صدمة صينية ثانية» والتركيز بدلًا من ذلك على «فرصة صينية ثانية».
لكن كبار قادة الاتحاد الأوروبي، إلى جانب بيروقراطية بروكسل، لا يقتنعون بهذا الطرح. فقد خلصوا إلى أن الصناعات الأوروبية الأساسية تواجه تهديدًا وجوديًا من الصين. وتشير «الصدمة الصينية» الأولى إلى الضرر الذي أصاب قطاعات أمريكية مثل الأثاث والمنسوجات والمعادن بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في مطلع الألفية. أما الصدمة الثانية، فستختلف في طبيعتها؛ فمن المتوقع أن تضرب أوروبا بالدرجة الأولى، وتمتد إلى الصناعات المتقدمة، مثل السيارات والآلات والكيماويات والأدوية وتقنيات الطاقة النظيفة، متسببة في خسائر كبيرة في الوظائف.
يزداد اقتناع القادة الأوروبيين بضرورة حماية صناعاتهم. بلغت المخاوف حدًا جعل مقترحات كانت تعد مستبعدة قبل سنوات تكتسب زخمًا متزايدًا. فقد دعت الحكومة الفرنسية، في وقت سابق من هذا العام، إلى فرض مستوى من الحماية يعادل تعريفة جمركية عامة بنحو 30% على الواردات الصينية. وبعد تردد أولي، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس استعداده لاتخاذ إجراءات لمواجهة الممارسات التجارية غير العادلة. كما كلف جميع قادة الاتحاد الأوروبي، باستثناء إسبانيا، المفوضية الأوروبية الشهر الماضي بإعداد خيارات للتحرك.
أصبحت الحرب التجارية مع الصين احتمالًا قائمًا؛ فأوروبا تمثل آخر سوق رئيسية ذات قدرة شرائية مرتفعة لا تزال منفتحة أمام الصادرات الصينية. مع ضعف الطلب المحلي في الصين وتراجع ربحية كثير من الشركات، تزداد أهمية السوق الأوروبية بالنسبة لبكين، التي ستسعى على الأرجح إلى إبقائها مفتوحة. لكن نجاح بروكسل في أي مواجهة تجارية سيتوقف على قدرتها على الحفاظ على وحدة الدول الأعضاء، وبناء تعاون واسع مع الشركاء ذوي التوجهات المماثلة. لن يكون تحقيق هذين الهدفين سهلًا، لكنه يظل ضروريًا للحفاظ على القاعدة الصناعية التي تقوم عليها قوة أوروبا وازدهارها.
قبل عقد من الزمن، اتسمت السياسة الأوروبية تجاه الصين بقدر كبير من الاطمئنان. ففي عام 2015، أعلنت بكين استراتيجيتها «صنع في الصين 2025»، واضعة هدفًا واضحًا يتمثل في انتزاع الريادة الصناعية من أوروبا، لكن قلة فقط من الأوروبيين أخذوا هذه الطموحات على محمل الجد، إذ كانت الشركات الأوروبية تتصدر السوقين الصينية والعالمية، وظنت أن منافسيها الصينيين لن يتمكنوا من مجاراة منتجاتها المبتكرة. وعندما شن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حربًا تجارية على الصين خلال ولايته الأولى، رفض كثير من الأوروبيين تحذيراته بشأن اختلال الميزان التجاري معها. استمر هذا النهج خلال معظم فترة إدارة بايدن، إذ انشغلت بروكسل بتداعيات قانون خفض التضخم الأمريكي على الصناعة الأوروبية أكثر من انشغالها بالمنافسة الصينية، بينما واصلت بكين ضخ مليارات الدولارات لدعم شركاتها الصناعية.
تدريجيًا، بات من الصعب تجاهل صعود الصين كمنافس صناعي قوي، وأثار التوسع السريع لشركات السيارات الصينية قلقًا متزايدًا، دفع الاتحاد الأوروبي إلى فرض رسوم جمركية تراوحت بين 17 و35% على واردات السيارات الكهربائية الصينية في أواخر عام 2024. عندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، كانت المفوضية الأوروبية، بدعم من فرنسا وعدد من الدول الأعضاء، تأمل في تنسيق الموقف مع واشنطن لمواجهة الممارسات التجارية الصينية. لكن ترامب اختار التصعيد مع أوروبا بدلًا من ذلك، مهددًا بحرب تجارية استحوذت على اهتمام بروكسل طوال عام 2025.
رغم ذلك، واصل صناع القرار وقادة الأعمال في أوروبا تشديد موقفهم تجاه بكين مع اتساع الاختلال التجاري عبر مختلف القطاعات وسلاسل التوريد. ارتفعت حصة الصين من التصنيع العالمي من 6% عام 2000 إلى نحو 30%، بينما تراجعت حصة الاتحاد الأوروبي من 30% إلى 17%. منذ عام 2015، زادت قيمة الصادرات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 89%، ليتضاعف العجز التجاري أربع مرات ويبلغ فائض الصين التجاري مع الاتحاد الأوروبي نحو 411 مليار دولار العام الماضي، ومن المتوقع أن يصل العجز التجاري الألماني مع الصين إلى 114 مليار دولار هذا العام. شبه ينس إسكيلوند، رئيس غرفة التجارة الأوروبية في الصين، العلاقة بين الجانبين بسفينة حاويات عملاقة تصل إلى أوروبا محملة بالكامل، ثم تعود شبه فارغة. ولم تقتصر الخسائر على السوق الأوروبية، ولكنها امتدت إلى أسواق مثل البرازيل وإندونيسيا وجنوب إفريقيا، حيث تتراجع حصة الشركات الأوروبية أمام الواردات الصينية. بدأت آثار ذلك تظهر داخل أوروبا، إذ تفقد الصناعة الألمانية نحو 10 آلاف وظيفة شهريًا. قال مارتن هيرنكنخت، مؤسس شركة هيرنكنخت لصناعة آلات حفر الأنفاق: «الصدمة الصينية حقيقية، وهي تضرب الصناعة الألمانية بقوة هائلة».
تستفيد الشركات الصينية من بيئة ابتكار ديناميكية، ومن سوق محلي ضخم ومحمي يمنحها وفورات الحجم، لكن تفوقها التنافسي يعتمد أيضًا على دعم حكومي واسع، إلى جانب عملة يعتقد أن قيمتها أقل من مستواها الحقيقي بنسبة تتراوح بين 16 و30%. وخلص تقرير حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الشركات الصينية تلقت، في المتوسط، بين عامي 2005 و2024، دعمًا حكوميًا يفوق نظيراتها في دول المنظمة بثلاثة إلى ثمانية أضعاف. في الوقت نفسه، طورت بكين أدوات تتيح لها استغلال اعتماد أوروبا على سلاسل التوريد، من خلال منظومة متكاملة لضوابط التصدير، وقدرات بيروقراطية واسعة، وقاعدة معلومات عن نقاط الضعف الأوروبية، ما يمنحها وسائل ضغط لإبقاء الأسواق الأوروبية مفتوحة أمام صادراتها.
لن تكون الصدمة الصينية المقبلة عابرة، وقد تضرب معظم الصناعات الأوروبية الأساسية في وقت واحد، فالمنافسون الصينيون المدعومون بتكاليف أقل، يهددون قطاعات استراتيجية قد تعجز أوروبا عن حمايتها. تشكل صناعة الطاقة الشمسية مثالًا واضحًا؛ فقد تراجعت حصة أوروبا من التصنيع العالمي من نحو 30% في مطلع العقد الماضي إلى 1% فقط اليوم، في ظل صعود الشركات الصينية. وإذا امتد هذا السيناريو إلى قطاعات مثل السيارات والآلات والكيماويات، فقد تخسر أوروبا مئات الآلاف من الوظائف، بينما يصبح استعادة هذه الصناعات أكثر كلفة وتعقيدًا. سيؤدي ذلك إلى زيادة الاعتماد على الصين، بما يمنح بكين نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا أكبر، ويقوض في الوقت نفسه خطط أوروبا لإعادة التسلح. قد تبدو الواردات الصينية اليوم منخفضة التكلفة، لكن تراجع المنافسة المحلية قد يمنح الصين لاحقًا القدرة على فرض أسعار أعلى. يتعين على أوروبا الاستعداد لهذا السيناريو، وتبدأ الخطوة الأولى بصياغة خطاب سياسي يبرر إجراءات حماية التجارة فمن المتوقع أن تعارض الأصوات المؤيدة لبكين، إلى جانب وسائل الإعلام الصينية وبعض السياسيين الأوروبيين، أي تشديد للإجراءات التجارية، متهمة بروكسل بافتعال مواجهة مكلفة ومحاولة تحميل الصين مسؤولية إخفاقات أوروبا الاقتصادية.
في المقابل، ينبغي للمسؤولين الأوروبيين التأكيد أن قنوات الحوار مع بكين لا تزال مفتوحة، وأن التسوية التفاوضية تظل الخيار المفضل، شريطة أن تعيد الصين التوازن إلى اقتصادها، وتعزز الطلب المحلي، وتحد من الدعم غير العادل، وتسمح بارتفاع قيمة عملتها. إذا رفضت بكين ذلك، فسيكون على بروكسل إقناع الرأي العام بأن إجراءات الدفاع التجاري ليست خيارًا حمائيًا، ولكنه ضرورة لحماية القاعدة الصناعية الأوروبية وإتاحة الوقت لتنفيذ إصلاحات تشمل خفض التكاليف والبيروقراطية، وتعميق السوق الموحدة، وتعزيز الابتكار، وتسريع تبني الذكاء الاصطناعي في الصناعة. فالإصلاح الداخلي والحماية من المنافسة غير العادلة مساران متكاملان، لا بديل أحدهما عن الآخر.
يتعين على صانعي السياسات الأوروبيين حشد أكبر عدد ممكن من الشركاء ذوي التوجهات المتقاربة لتنسيق مواجهة الممارسات التجارية الصينية غير العادلة. تعد اليابان وكوريا الجنوبية، اللتان تواجهان ضغوطًا مماثلة، شريكين طبيعيين، إلى جانب البرازيل وماليزيا وتركيا، التي اتخذت بالفعل إجراءات للحد من تدفق الواردات الصينية الرخيصة. ينبغي أن يتفق هذا التحالف على تعريفات جمركية ومعايير مشتركة للأمن الاقتصادي، بما يعزز قدرته التفاوضية ويمنع تعرض أي طرف لمنافسة غير متكافئة.
يظل فرض تعريفة جمركية تعويضية شاملة الخيار الأكثر فاعلية لمواجهة الدعم الصيني، لكنه الأقل قابلية للتطبيق سياسيًا، نظرًا لتردد بعض دول الاتحاد الأوروبي خشية التعرض لإجراءات انتقامية. لذلك، يمكن لبروكسل تبني ما وصفه أندرو سمول بـ«فن السرب»، من خلال الجمع بين أدوات متعددة، مثل فرض ضمانات على الواردات المتزايدة، وتوسيع تحقيقات الدعم، وتشديد معايير المشتريات، وإجراء عمليات تدقيق منهجية لسلامة المنتجات وأمنها. يصعب على بكين مواجهة هذه الإجراءات مجتمعة، كما أنها تحد من تدفق الواردات الصينية وتقلل الاعتماد عليها. في المقابل، يمكن للاتحاد الأوروبي توسيع انفتاحه على شركاء التجارة الحرة الملتزمين بهذه الضوابط، مع إعفائهم من القيود المفروضة على الواردات الصينية.
يجب أيضًا الاستعداد لأي رد صيني محتمل عبر وضع سيناريوهات تصعيد وخطط للتعامل معها. يتعين على الدول الأعضاء الالتزام بالتفعيل السريع لأداة مكافحة الإكراه، التي تتيح للمفوضية الأوروبية اختيار التدابير المناسبة لمواجهة الضغوط الصينية. عند الضرورة، يستطيع الاتحاد الأوروبي استغلال اعتماد الصين على السوق الأوروبية، عبر تشديد القيود على تقنيات أشباه الموصلات أو مكونات الطائرات وغيرها من الصادرات الحساسة. من المرجح أن تحاول بكين شق صف الاتحاد الأوروبي باستهداف بعض الدول بإجراءات انتقامية، لذلك تعمل المفوضية، بحق، على إعداد آلية تضامن لتعويض الدول والقطاعات الأكثر تضررًا.
لا تتخلى أوروبا عن التجارة العالمية، فقد أبرم الاتحاد الأوروبي مؤخرًا اتفاقيات تجارية مع أستراليا والهند وتكتل ميركوسور. لكن موقف بروكسل يعكس تحولًا واضحًا عن الاعتقاد السائد بأن الأسواق المفتوحة وحدها كفيلة بمواجهة الرأسمالية الصينية المدعومة من الدولة. في هذه النقطة، تلتقي المصالح الأوروبية والأمريكية، مما يتيح فرصة مهمة لواشنطن. فالولايات المتحدة لن تتمكن من منافسة الصين في سباق الهيمنة على التصنيع العالمي إلا من خلال تحالف واسع، تمثل أوروبا أحد أعمدته الرئيسية. ففي قطاعات مثل الكيماويات المتخصصة والبوليمرات الوسيطة، يشكل المصنعون الأوروبيون البديل الوحيد تقريبًا للمنتجين الصينيين، وفقدان هذه القاعدة الصناعية سيزيد اعتماد الولايات المتحدة على الصين. في المقابل، يمنح انضمام واشنطن لبروكسل مساحة أوسع للتحرك، إذ يزيل شبح اندلاع حرب تجارية عبر الأطلسي ويعزز قدرتها على مواجهة الممارسات التجارية الصينية غير العادلة. تمثل هذه المصالح المشتركة أساسًا متينًا للتعاون عبر الأطلسي، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختار مرارًا استهداف الحلفاء الأوروبيين بدلًا من الصين. إذا أرادت واشنطن الحفاظ على قدرتها التنافسية على المدى الطويل، فعليها إعادة النظر في هذا النهج.
لكن بروكسل لا تستطيع انتظار تغير السياسة الأمريكية؛ فالإبقاء على الوضع القائم مع الصين لم يعد خيارًا. ويبدو أن بكين تراهن على أن الأوروبيين سيتراجعون في نهاية المطاف، لذلك لا تبدي استعدادًا لتقديم تنازلات جوهرية. ومن دون استعداد وتنسيق كافيين، قد يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في مواجهة تجارية غير متكافئة. قد تلجأ الصين إلى تقييد صادرات المدخلات الصناعية الأساسية، بما يفاقم الضغوط الاقتصادية ويدفع الرأي العام الأوروبي إلى المطالبة بالتراجع. سيمنح ذلك دفعة للأصوات التي تدعو إلى التكيف مع الهيمنة الاقتصادية الصينية. لكن هذا السيناريو ليس محتومًا؛ فالأخطر من احتمال خسارة المواجهة هو استمرار تآكل القاعدة الصناعية الأوروبية.
