No Image
العرب والعالم

نيترات الأمونيوم تعيد فتح ملف العدالة الغائبة و«البصمة» إسرائيليّة!

01 أغسطس 2026
01 أغسطس 2026
6 أعوام على «فاجعة انفجار مرفأ بيروت»

بيروت- وفاء عواد: في 4 أغسطس من العام 2020، شهد مرفأ بيروت انفجارًا هائلًا، إهتزّ معه كلّ لبنان، أرضًا وبشرًا وحجرًا، مخلّفًا وراءه مرفأً بلا معالم، وعاصمة مفجوعة غارقة في الدماء، ومشاهدات أبكت العيون وأدمت القلوب.. يومها، لبست بيروت، كما كلّ لبنان، ثياب الحِداد، وبدت وكأنّها تمشي بجنازة الشبّان والأطفال والشيوخ والنسوة، الذين قضوا، والشوارع والمنازل التي أصابها الدمار، إذْ لم يخلُ منزل من منازلها أو حيّ من أحيائها من إصابة بعزيز أو أشياء محسوسة، وذلك بفعل أحد أكبر الانفجارات الكيماويّة في العالم. 

وعشيّة مرور 6 أعوام على العصْف، وعلى الجريمة التي أودت بحياة 233 شخصًا، وأصابت أكثر من 6500 بجراح، عدا عن تشريد عشرات الألوف من منازلهم ومؤسّساتهم، وإحداث دمار هائل في بيروت، لا يزال دويّ انفجار الوجع يبسط سيطرته، ليرسو التأريخ عند رصيف الألم الذي لا يلتئم.. ذلك أن 6 أعوام مضت، سقطت فيها كلّ دموع المقل، ولم تسقط حصانة سياسيّة واحدة من بوّابة الـ2700 طنّ من مادة «الأمونيوم» التي انفجرت في مرفأ بيروت ذاك اليوم، وخلّفت عصفًا حاكى تردّدات هزّة أرضيّة بقوّة 4.5 درجة على مقياس «ريختر»، فيما لا تزال فرضيات عديدة تتصاعد من بين الدخان الذي جعل بيروت «مدينة منكوبة»، بكلّ ما للنكبة من أبعاد. 

وعلى جرح لا يزال ينزف من الخاصرة البحريّة لبيروت، عاد ملفّ تخزين مادة «نيترات الأمونيوم» في المرفأ إلى الواجهة، لا من باب التحقيق القضائي المعلّق على حِبال الضغوط والعراقيل السياسية، إنّما من بوّابة العثور على نحو 4000 كيلوغرام من «نيترات الأمونيوم» الشديدة الانفجار في جنوب لبنان، وتحديدًا في بلدة حولا الحدوديّة، والواقعة في قضاء مرجعيون ضمن ما يُسمّى بـ«المنطقة الأمنيّة» التي أعلنت إسرائيل إبقاء قوّاتها فيها. 

مشهد مُستعاد 

وهكذا، استعاد تاريخ 4 أغسطس 2020 ومضاته، ولحظةً ارتفعت فيها المدينة إلى السماء لترسم على زرقائها ما عُرِف بـ«بيروتشيما» (نسبة إلى «هيروشيما»). ذلك أنه، ومن بوّابة «حولا»، البلدة التي باتت تحت الركام، بعدما جرّفها الاحتلال الإسرائيلي، فإنّ ثمّة من استعاد المشاهد المروّعة لذاك اليوم المشؤوم، وسط الحقيقة الغائبة والعدالة المؤجلة فيما يخصّ مرفأ بيروت. أمّا ما تمّ كشفه في «حولا»، فأثار موجة واسعة من التفاعل بين اللبنانيين، خاصّة أن هذه المادة ارتبطت في أذهانهم بانفجار مرفأ بيروت، فانقسمت ردود الفعل، بين من عبّر عن مخاوفه من وجود كميات كبيرة من هذه المادة هنا وهنالك، وبين من اتّهم جهات محدّدة، منها «حزب الله»، الذي لطالما ارتبط اسم «نيترات الأمونيوم»، بالنسبة إلى كثيرين، باتهام جاهز يُوجّه إليه، ولا سيّما منذ انفجار مرفأ بيروت. 

وما بين حدّي المخاوف والاتهامات، أعلنت إسرائيل أن «نيترات الأمونيوم» جنوبًا تعود لها، إذْ أعلن الناطق باسم جيشها، أفيخاي أدرعي، استخدامها في بعض «احتياجاته العمليّاتيّة»، ومنها تدمير منشآت وبنى تحتيّة في مناطق سبق أن وجّه إليها إنذارات. 

خبر عابر.. وسؤال مشروع 

وفي إعلان متأخر، جاء ضمن خبر عام يتعلّق بإزالة مخلّفات الذخائر، كانت قوّات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان «اليونيفيل» قد أشارت إلى عثورها، في 2 من الجاري، على مخزون ضخم من المواد الشديدة الانفجار، تتكوّن بصورة أساسيّة من مركّبات «نيترات الأمونيوم»، قرب بلدة حولا الحدوديّة، بلغ وزنه نحو أربعة أطنان، وكان موزّعًا داخل مئات 385 حاوية متروكة في أحد المباني. 

ووسط أسئلة تتجاوز الرواية التي رافقت الخبر، فإن الصور التي نشرها موقع «اليونيفيل» أظهرت «غالونات» تحتوي هذه المواد، وهي «الغالونات» نفسها التي سبق لقوات الاحتلال الإسرائيلي أن نشرت صورًا لجنودها وهم ينقلونها إلى مناطق عملياتهم، حيث تُستخدم في تفجير المنازل. 

ويُذكر، في السياق، أن القوات الإسرائيلية لجأت خلال المدة الماضية إلى استخدام مسيّرات كبيرة الحجم لإسقاط هذه الجالونات فوق مناطق محدّدة، قبل تفجيرها، وهو ما حصل قبل أيام في التلال المحيطة بمرتفع علي الطاهر شرق مدينة النبطية. 

«لغزان».. وترقّب 

وما بين المشهدين، تجدر الإشارة إلى أن «كارثة 4 أغسطس» لا تزال تُعزى إلى 2750 طنًّا من مادة «نيترات الأمونيوم»، كانت مخزّنة في مرفأ بيروت منذ العام 2014، كما يتردّد. أمّا تداعيات «نيترات حولا»، فلا تزال تتّسع، مرفقةً بالرقم 4000، وممهورةً حاوياته بكتابات عبريّة، وإنْ رسا المشهد على إزالة الخطر الذي كانت تشكّله، من دون الكشف عن الظروف التي أدّت إلى تخزينها وتركها داخل مبنى مهجور. 

ووسط الروايات التي انتشرت حول هذه القضية، والتي تعدّدت بـ«ألغازها»، وخصوصًا لجهة كون النيترات المضبوطة مطابقة للنيترات التي فجّرت بيروت في 4 أغسطس 2020، فإن الثابت يتمثل بكون «اليونيفيل» لم تعلن الجهة التي تعود إليها الحاويات، واكتفت بعرض ظروف العثور عليها وطريقة التعامل مع محتوياتها. أمّا المعطيات الأوليّة، فأظهرت أن هذه الكميات من «نيترات الأمونيوم» أدخلها الجيش الإسرائيلي إلى بلدة حولا، خلال توغلاته الأخيرة، واستخدمها مباشرة في عمليات النسف والتدمير. 

وعليه، ارتفع منسوب الدعوات إلى إعادة فتح ملفّ «نيترات مرفأ بيروت» من بوّابة «نيترات حولا»، فيما حسم مصدر عسكري بارز، فضّل عدم الكشف عن اسمه، الجدل الذي رافق هذا الأمر بقوله «إنّ أكياس الأمونيوم الشديدة الانفجار، والتي عُثر عليها في الموقع، كانت تحمل كتابات ووسمًا واضحًا باللغة العبرية، ما «قطع الشكّ باليقين حول مصدرها»، كما حول «استخدامها من قبل إسرائيل في عمليات النسف الممنهج للقرى الجنوبية المحتلّة، ومحو معالمها وإبادتها». وذلك، ضمن سياسة «الاستخدام المكثف للمتفجّرات، بهدف إحداث أكبر قدر ممكن من الدمار»، يختم المصدر. 

ومهما يكن، فإن قضية «نيترات حولا»، كبرت أم صغرت، فإن الأسئلة المرتبطة بها ستبقى معلّقة حتى إشعار آخر، ومفادها: إلى متى ستبقى «نيترات الأمونيوم» تحاكي فصول انفجار مرفأ بيروت؟