«منزل ومسجد وركام»..رحلة الموت القسري في أسبوع يوليو الأخير
غزة-بهاء طباسي: عاش قطاع غزة خلال الأسبوع الأخير من شهر يوليو فصلًا قاسيًا من فصول التشريد القسري. موجةٌ متسارعة من أوامر الإخلاء ضربت قلب الأحياء السكنية المكتظة، ممتدةً من حي «الزيتون» ومحيط شارع «الجلاء» وسط وجنوب مدينة غزة، وصولًا إلى مربعات حيوية في «دير البلح» ومحافظة «خان يونس». لم تستثنِ تلك التحذيرات العاجلة منازل المدنيين أو المخيمات المجهزة على عجل، بل طالت أيضًا مراكز تشغيل ومستودعات تابعة لمنظمات إغاثية دولية. وفي غضون ساعات، وُجدت آلاف العائلات نفسها مجبرةً على الفرار مجددًا نحو شريط «المواصي» الساحلي، لتتسع دائرة النزوح العشوائي وسط غياب أدنى المقومات الأساسية للحياة.
تتوالى «أوامر الموت» من السماء على هيئة منشورات أو اتصالات باردة، لتبدأ معها فصول رحلة العذاب اليومية؛ ففي غزة، لم تعد الجغرافيا سوى مربعات سكنية مستهدفة تُشطب من خارطة الحياة بقرار عسكري. كما حدث في منطقة اليرموك ودير البلح، يُجبر السكان على انتزاع جذورهم من منازلهم تحت وطأة التهديد، ليحملوا بقايا حكاياتهم على أكتافهم ويفروا نحو «المجهول المعلوم»، حيث العراء والخيام الهشة التي لا تقي حرًّا ولا تستر قهرًا.
صواريخ الأطنان تُعيد رسم الخارطة
وفي أعقاب هذه الأوامر، شنت المقاتلات الحربية الإسرائيلية غارات جوية مكثفة وفورية طالت المنشآت التجارية والمباني السكنية في المناطق المستهدفة، مما أسفر عن تدمير منشآت حيوية ومنازل، ومستودعات أدوية، ومساجد بالكامل كمسجد «المتقين» في شارع «اليرموك»، إلى جانب إلحاق أضرار جسيمة بالمراكز الطبية المجاورة. وقد تسببت هذه التحذيرات العسكرية الشاملة في شلل شبه تام لحركة طواقم الإغاثة والمساعدات الأممية التي باتت عاجزة عن إدارة مراكز التوزيع وتأمين الإمدادات، ما ينذر بكارثة صحية وإنسانية غير مسبوقة تضاعف من معاناة السكان الذين باتوا يفتقرون لأي ملاذ آمن داخل القطاع.
في منطقة اليرموك بمدينة غزة، يقف عادل أبو عارف وسط الزجاج المكسور والخرسانة التي تبخرت حياته تحتها. يمسح الغبار عن وجهه وينظر إلى الأنقاض بمرارة رجل خذله العالم، ينطق كلماته بنبرة تختلط فيها الحرقة بالثبات: «لقد جاء جيش الاحتلال وأمرنا بإخلاء المكان، أخلوا المكان.. أخلوا المكان. وبعد صلاة المغرب بنصف ساعة تقريبًا، استهدفوا المسجد والمنطقة بالكامل؛ استهدفوا المسجد والمنزل. والحمد لله على كل حال، فماذا تتوقعون منهم؟». لا يؤمن «أبو عارف» بالتصريحات والوعود الدبلوماسية التي تتناقلها الشاشات عن وقف إطلاق النار؛ فبالنسبة له، الواقع يُكتب بالبارود لا بالكلمات: «الحرب لم تنتهِ يا أخي، ولن تنتهي، هي دوامة مستمرة، وكل ما يشاع عن نهاية الحرب هو مجرد أكاذيب. هؤلاء أناس كذابون يا رجل، كذابون؛ فكل دول الغرب والعرب والذين يدعون الإسلام هم أكذب من بعضهم البعض، كلهم يراهنون على دماء الشعب الفلسطيني، يريدون ضياع الشعب الفلسطيني ويقبضون ثمن موتنا أموالًا».
ويضيف متأوّهًا من حجم الفاجعة التي لحقت بالحي: «كل يوم هناك قصف ومجاعات وإهانات لأهل غزة، فوق ما تتخيلون، وهذا الكلام يجب أن يصل لكل العالم، فنحن صامدون في أرضنا بغزة حتى لو بقي فينا آخر نفس». ويضيف لـ«عُمان»: «حجم الدمار كبير جدًا كما ترون؛ دُمِّر مسجد ومنزلان تقريبًا بصاروخ واحد، ربما يزن 4 أطنان أو أكثر، لقد هز المنطقة هزًا، حتى المنازل المجاورة التي تبعد مسافة عشرة منازل سقطت وتضررت».
البحث عن حياة تحت بحر الحجارة
وحين تعود تلك الأقدام المثقلة بالخيبة لتفقد ما تركت خلفها، تصطدم بالحقيقة المرة؛ لم يعد هناك منزل، ولم يعد هناك مخيم، بل ركام صامت وتلال كئيبة من الأسمنت والرماد. لقد تحول المكان الذي كان ينبض بالحياة إلى غابة من الخرسانة المحطمة والحديد الملتوي الذي يبرز من بين الأنقاض كأطراف مكسورة.
في عتمة الليل الذي تلى المجزرة، تشق أضواء الكشافات اليدوية الضئيلة غبار الموت، باحثةً عن أثر لم يمحُه صاروخ الأطنان الغادر. الرجال يخوضون في بحر من الحجارة المتفحمة بأيدٍ عارية، والوجوه مغبرة بالذهول والحزن، بينما تشق سيارات الإسعاف «101» طريقها عبر الحطام بوميضها الأحمر الراعش، معلنةً عن فاجعة جديدة في سلسلة لا تنتهي من النزوح والعودة إلى الأنقاض. إنها حكاية غزة؛ حيث يُجبر الإنسان على أن يشهد موته مرارًا، ثم يقف فوق ركام بيته ليعلن بحسرة ودون كلمات أنه لا يزال هنا، صامدًا رغم بشاعة المشهد ومرارة الرحيل المتكرر.
وسط مدينة غزة، يقف حازم أبو إبراهيم (50 عامًا) أمام حطام مسجد «المتقين»، مصدومًا مما آلت إليه الأمور، وهو ينظر إلى حجارة دار العبادة التي اختلطت بأوراق المصاحف والرماد.
يقول أبو إبراهيم بصوت يتهدج غضبًا وحزنًا: «أنا إنسان جئت لأشاهد هذه المآسي التي تحدث في قطاع غزة بسبب الاحتلال، وهذا شيء يجعلنا نقول لإسرائيل: كفى لقد بلغ السيل الزُبى. يكفي يا إسرائيل التذرع بأن حماس تفعل وتفعل، بينما أنتِ ترتكبين إجرامًا في قطاع غزة، وهذا شيء خارج تمامًا عن القانون الإنساني والدولي».
يتوقف ليلتقط أنفاسه وسط غبار الركام المتصاعد، ثم يستطرد: «كل يوم استهدافات بلا سابق إنذار، شهداء وإصابات، وهذه الاغتيالات أمر مخيف جدًا. نحن لا نناشد إسرائيل، بل نناشد دول العالم أجمع، ومنظمات حقوق الإنسان، ومجلس الأمن، والدول العربية.. اسمع، لقد وصل بنا الحال أن نناشد الله سبحانه وتعالى بالموت ونقول: يا رب ارحمنا برحمتك من هذا العذاب الذي نعيشه».
وعن لحظة القصف يروي: «كنت جالسًا في منزلي الذي يبعد تقريبًا 300 متر، فسمعت دويًا هائلًا، وقبل نصف ساعة من القصف، قالوا إن المنطقة القريبة من ملعب اليرموك مهددة بالإخلاء لأن هناك استهدافًا سيحدث، فجئت بعد القصف، وقالوا إنه (مسجد المتقين)».
يلتفت نحو مئذنة المسجد المنهارة ويكمل حسرته: «جئت ونظرت وقلت: يكفي ، الحقيقة نحن قد استوينا. كما ترون هذا الدمار؛ مسجد يصلي فيه الناس ويعبدون ربهم، ما شأن المسجد؟ هذا مسجد للسلام والعبادة».
