وداوِها بالتي كانت هي الداء

01 أغسطس 2026
01 أغسطس 2026

لمن عاش حقبتي الثمانينيات والتسعينيات، أو قرأ تاريخ العلم والتقنية، أن يستحضر مشاهد مما يمكن أن أسمّيها مقاومة التقنية وأدواتها، أو في صورتها الأوسع، مقاومة العلم والخوف من مخرجاته. وإن كنت -شخصيا- لست من أولئك الذين شهدوا هذه المقاومة خصوصا القديمة منها، ولكنني تتبعت مسارها التاريخي وتحولاتها التي أحدثتها في المجتمعات الإنسانية؛ فانقسم الناس تجاهها بين القبول والرفض، ومن هذه المشاهد مناهضة كثير من أفراد المجتمع للحاسوب والتلفاز لأسباب متعددة منها خوفهم على القيم الدينية والمجتمعية من التلاشي والانزلاق وما قد تلحقه بأضرار تمس النظامين الأخلاقي والاجتماعي. وكذلك مع بداية ظهور الراديو والهاتف الثابت التي بلغ أن يعدّها بعضهم من علامات آخر الزمان أو يربطها بالمسيح الدجال والشيطان كما سمعنا وقرأنا. 

وقس على ذلك ما حدث منذ بداية الألفية مع طفرة الهواتف المحمولة والذكية بعدها، وللفئة المتعلمة والمثقفة مخاوف أخرى تتعلق بالهيمنة التقنية واحتمال أن تحل الأدوات الحديثة محل النظم المعرفية التقليدية، وهذا ما حدث قبلها مع ظهور الحاسبات الإلكترونية -المستعملة في العمليات الرياضية- لمخاوف تراخي قدرات الدماغ البشري الحسابية وأنها أداة لا يجوز للمتعلم الاستعانة بها، ولهذا منعتها كثير من مؤسسات التعليم في المراحل الأولى من انتشارها. 

للبروفيسور العُماني يحيى الفارسي كلمة رائعة رسخت في ذهني منذ سنوات طويلة ألقاها في حفل تخرّج طلبة كلية الطب بجامعة السلطان قابوس قبل عدة سنوات، ومما جاء فيها: «الطب يتغيّر، ولكن الإنسان هو الإنسان». ينطبق هذا المعنى أيضا على مشاهد الطفرات التقنية وتحولاتها الراهنة التي يأتي الذكاء الاصطناعي في مقدمتها، وبما يحمله من دهشة يمتزج فيها قلق عالِم التقنية قبل قلق المستخدم غير المتخصص. ورغم هذا التغيّر، يبقى الإنسان هو الإنسان من حيث استمرار دهشته وخوفه وبقاء نظامه الأخلاقي الذي يظل عامل التوازن مع كل مراحل التطور. ومع التحولات التقنية التي تصاحبه، نلحظ أن الإنسان -نفسه- الذي صمّم الخوارزميات، بات واقعا في حيرة وقلق من سلوكها، ومن غموض تفسير ما تفعله، وتحديدا بعد مراحل تدريبها وبدء تطبيقها في الواقع؛ فوقع الإنسان بشأنها في جدل واسع، يشبه خوفه الأول حين شاهد النار للمرة الأولى؛ إذ ساوره احتمال خطرها نتيجة فطرته الحسيّة؛ ليعدها لاحقا من أولى أبجديات حضارته الإنسانية. وهذا ديدن الإنسان في كل زمان ومكان؛ إذ تمتزج في علاقته بالجديد مشاعر الدهشة والخوف. 

وما أشبه التقنيات المتقدمة -وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي- بهذه النار في مواجهة الإنسان الأولى لها؛ فلا عجب أن يكثر الجدل بشأنها. ولست مع الاستعجال في التوسّع في استعمال الذكاء الاصطناعي من دون وفرة الوعي والخبرة، وسبق أن حذّرنا من مخاطره الكثيرة. لكننا -في المقابل- لا نطالب بمنعه أو بممارسة التقوقع التقني، وإنما ندعو إلى رفع مستويات الوعي الرقمي المجتمعي، وتطوير تقنيات دفاعية نستعين في بنائها بخوارزميات الذكاء الاصطناعي نفسه؛ لنصون بها بياناتنا وبنيتنا الرقمية. وهذا ما يجعلنا في حالة دائمة من التطور واليقظة، ويعيننا على مداواة كل داء تقني محتمل بأدوات التقنية نفسها التي ساورنا شكنا البدائي أنها «الداء» المطلق. 

أعني هنا أننا بحاجة إلى تسخير قدراتنا الرقمية لبناء منظومة دفاع رقمي قبل الشروع في تبنّي منظومات رقمية متقدّمة مستوردة من الخارج سواء في تقنياتها أو خبرائها. ويتسع هذا الأمر أيضا إلى المنظومة التعليمية المتطورة التي بدأت خوارزميات الذكاء الاصطناعي تتفاعل معها بطرق مشروعة وأخرى غير مشروعة. أدخل هذا التفاعل التقني المجتمع في جدل بشأن حضور الذكاء الاصطناعي في قطاع التعليم؛ فرأى بعضهم ضرورة منعه منعا باتا في قطاع التعليم وعدم السماح باستعماله في البيئة التعليمية، وفي حين رأى آخرون أن يحتمل الأمر التوازن، وأجد نفسي أقرب إلى الفريق الثاني؛ من حيث إنه يصعب علينا مقاومة المد الرقمي بما يحمله من خير وشر، ولكن من السهل علينا تسخيره لخدمة مصالحنا، ومنها المصالح التعليمية. 

على الرغم من مبررات المطالبين بالمنع التام للذكاء الاصطناعي في القطاع التعليمي، فإنهم يطلبون بما يكاد نراه من المستحيل؛ إذ بات الذكاء الاصطناعي أداة فردية يملكها الصغير قبل الكبير، وأصبح استعماله سهلا ومتاحا عبر أبسط الهواتف الذكية. وأرى هذه المطالب تمثّل صورة -متكررة- من صور مقاومة التقنية التي تحدثنا عنها آنفا. لذلك، من المهم أن نستوعب أن الأمر بحاجة إلى بناء فلسفة جديدة تُضاف إلى منظومتنا الأخلاقية القائمة، وتتصل هذه الفلسفة وأبجدياتها الجديدة بالشأن الرقمي؛ فمنذ انتشار الأنظمة التقنية السابقة -بدءا من الراديو والهاتف والتلفاز-، وصولا إلى الحاسوب والإنترنت، كانت كل أمة -وفق ثقافتها- تتوجس مما قد يهدد ثقافتها أو مصالحها. ولا يمكننا أن نرفض هذه المخاوف أو نستهين بها؛ لأنها قائمة فعلا، ولا تقتصر هذه التهديدات على قطاع التعليم والاقتصاد والأمن الوطني بعمومه؛ فتمتد إلى ما يتعلق بالخصوصية وما يصحبها من تهديدات تمس الفرد والمجتمع مثل الابتزاز الإلكتروني. 

وتطور الأمر مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ما قاد دول غربية -لا ترتبط بالجانب الديني ارتباطا وثيقا- للمسارعة إلى منع الأطفال من استعمال وسائل التواصل الاجتماعي. ثم بدأت بعض الدول العربية أيضا بالإقدام على هذه الخطوة، وهي خطوة منهجية محمودة -جاءت بعد مرحلة وعي واثقة- تتطلب أن تفعّل بحزم بالتوازي مع نشر الثقافة الرقمية. لكن ما يهمنا الآن هو جانب استعمالات الذكاء الاصطناعي في التعليم، والمخاوف من أن يؤدي هذا النوع من الاستعمال إلى دفع التعليم نحو الهاوية، عبر تطور أساليب الغش والانتحال، وما قد يترتب على ذلك من جمود معرفي يتفشى في المجتمع ويفضي إلى نشوء جيل ضعيف القدرة على التفكير والإنتاج المعرفي. وسبق أن ناقشنا ذلك، ولسنا هنا في معرض إعادة طرحه ومناقشته. 

وكل ما يتعين علينا بدلا من المنع أو المقاومة -اللذين لن يكونا مجديين ولا نافعين- أن نتعايش مع هذه الأنظمة بخيرها وشرها، ونتيح لأنفسنا فرصة مراقبة السلوك الرقمي للخوارزميات نفسها ونحاكم تفاعلنا معها. أما الاستعمالات وأدواتها المنطوية على جانب الخير، فعلينا أن نتعلمها، ونحسن استعمالها، ونستغلها استغلالا أمثل في بناء معارفنا وحضارتنا. وأما ما ينطوي عليه من شر، فإنه يحتاج -قبل كل شيء- إلى عقول واعية تدرك هذا الشر، وتعرف مكامنه، وتعي مخاطره، وتحذر من الوقوع فيه. ولا أرى أن ذلك سيكون ممكنا إلا عبر البدء بالمناهج التعليمية. فمن الأولى أن نبدأ بوضع مناهج مخصصة لتنمية مهارات الوعي الرقمي، يُطرح فيها كل ما يتعلق بالأنظمة الرقمية، وخصوصا الأنظمة المتقدمة بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي؛ بحيث تقدم هذه المناهج شرحا جيدا لمفاهيم هذه التقنيات، وخوارزمياتها، وآليات عملها، وتأثيراتها المحتملة في المنظومة الأخلاقية؛ فلست مع سياسة المنع الأعمى الذي لا أراه يفضي إلا إلى نتائج عكسية تدفع إلى تفشي ظاهرة الممارسات الرقمية المتسترة التي تفتقر الوعي والمسؤولية. 

وفي الجانب نفسه، ينبغي أن توضّح هذه المناهج قدرة التقنيات الرقمية على رفع الوعي، وأن تعلّم النشء بالفوائد التي يمكن جنيها من هذه التقنيات وأدواتها المتقدمة، إلى جانب المخاطر التي يمكن أن تسببها. كذلك نحتاج إلى تطوير أدوات قادرة على كشف الاستعمال السيئ لهذه الأدوات الذكية ونماذجها المتقدمة، ولا أتصور أن هذا الأمر بعيد عن التحقق في غضون الفترات القادمة، ولا يتأتى تفعيل ذلك دون وجود لوائح أخلاقية للاستعمالات الرقمية في قطاع التعليم، وتحدد بوضوح ضوابطها وحدودها والمخالفات المرتبطة بها والعقوبات المترتبة عليها. 

كل ما يجول في خاطري هو أننا لا نحتاج إلى فرض سياسة المنع القسري، ولندع مفرزات العلم أن تسير وفق سنن التطور وحركتها، وكل ما نحتاج إليه هو أن نطوّر وعينا قبل كل شيء، وأن نطوّر مهاراتنا التقنية التي تحمي منظومتنا الرقمية، بما تشتمل عليه من ملفاتنا وبياناتنا الشخصية والعامة، وثرواتنا الوطنية، إلى جانب العمل المستمر على تنمية الوعي الرقمي، ومع مطلبنا أن نسخّر الذكاء الاصطناعي نفسه لمواجهة التحديات التي يفرزها لنا ولنظامنا التعليمي، ولعلنا أقرب إلى تطبيق -بتصرف- قول أبي نواس: «وداوني بالتي كانت هي الداء»، وإن كنا نخالف مراد أبي نواس في بيته هذا؛ فمرادنا أن الذكاء الاصطناعي ليس خيرا محضا ولا شرا محضا؛ فكما قد يكون موطنا لبعض تحدياتنا البشرية المعاصرة؛ فإنه في الوقت نفسه يكون أداة لمعالجتها. 

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني