شجاعة الرأي بعد المنصب
14 يونيو 2026
14 يونيو 2026
يمتلك كثير من المسؤولين شجاعة النقد العلني بعد ترك المنصب، ليس للمؤسسة التي كانوا جزءا منها وحسب، بل للمنظومة المؤسسية والمجتمعية عموما؛ ليستقبل الناس منهم وعنهم كثيرًا من التصريحات والمقترحات والخطط والأفكار التي ما كانت لتصدر عنهم وهم على قيد العمل في مناصبهم، فما سر تلك الشجاعة المفاجئة (إن كانت كذلك)؟ وما هي مبررات ذلك التحول نفسيا واجتماعيا؟
إن تحول المسؤول المنتمي إلى مؤسسة ما من شريك صامت إلى ناقد علني يحيل المرء إلى التفكر في مساحات الممكن والمحظور داخل المؤسسة وداخل النظام الوظيفي عموما، حول علاقة الأفراد بالمؤسسات وسلطة المؤسسة على الفرد أثناء العمل وبعد الانتهاء منه، كيف يتحول كثير من أصحاب المناصب من شريك فاعل داخل النظام إلى مراقب ناقد شاهد بعد تركه؟ وفي ذلك ينسحب الأمر على المتقاعدين والمستقيلين من مؤسسات تعودوا فيها ومعها الصمت والتبرير.
هذا التحول الذي لا يمكن فهمه كحالة استثنائية أو موقفٍ فرديٍ معزولٍ، لكن باعتباره إعادة تشكل علاقة الفرد بالسلطة بعد زوال الامتيازات والسياقات التي كانت تضبط سلوكه داخل المؤسسة، وربما كان توثيقا أمينا لمجموعة خبرات مهنية وآراء تحليلية لم يكن بالإمكان توثيقها أثناء العمل تحريًا لسرية مفروضة حينها، قد تصبح مساحة عامة يمكن الإفادة منها مستقبلا.
فما هي مبررات الصمت أثناء تولي المنصب، وما هي مبررات النطق والتصريح بعده؟
لعل أبرز مبرات الصمت قيود الدور المؤسسي التي تقتضي (افتراضا وإن لم يكن فرضا) الدفاع عن قرارات المؤسسة حتى في حال عدم الاقتناع، تجنبا للتناقض بين الرأي الشخصي ورأي الإدارة خصوصا مع واقع منصب المسؤول؛ هذا الصمت هو الصمت التنظيمي الذي يقتضي بالضرورة الحفاظ على استقرار المنظومة عبر التزام الموافقة أو على الأقل الصمت عن المخالفة لتسير الأمور وفق النظام المفترض، ثم المبرر غير المصرح به وهو الخوف من تكلفة المخالفة Cost of Dissent المتضمن فقدان النفوذ، أو التعرض للعزل وتعطيل الصلاحيات، أو تراجع الثقة القيادية، وهو ما يتوافق مع حالة الصمت التنظيمي التي تتلاشى شيئا فشيئا بعزل المسؤول عن منصبه مع تكبد صدمة ما بعد المنصب(لدى البعض ممن يراهن على ديمومة المناصب غير معترف بالتدوير) تلك الصدمة الناتجة عن فقدان النفوذ والاهتمام الاجتماعي معا، مما يدفع صاحبها للبحث عن النقد وسيلة للتعويض النفسي بعد اختفاء اعتبارات الولاء المباشر للمؤسسة؛ استعادة للشعور بالأهمية والتأثير اجتماعيا، أو أن يجعل من النقد وسيلة لصنع السرد الذاتي بمعنى محاولة كتابة قصة جديدة لتفسير الماضي وتبرير قرارات سابقة في محاولة لتبرئة الذات وإعادة صياغة السيرة الذاتية مع رأس مال جديد متمثل في الخبرة السابقة والمصداقية المفترضة.
اعترافات المسؤولين السابقين ونقدهم المؤسسي والمجتمعي ليست ظاهرة محلية متعلقة بمكان أو بلد معين؛ فكثير من المؤلفات اكتسبت أهميتها كونها اعترافات مسؤولين سابقين قرروا تسجيل شهادتهم على واقعهم، خبراتهم ومرئياتهم التي صمتوا عنها أثناء العمل إما على شكل سير ذاتية أو على شكل أعمال روائية أرادوا بها التنصل عن ارتباطهم الوثيق بجوهر العمل وتفاصيله.
ومهما يكن من أمر فليست كل تلك السرديات مفاجئة في كشف المستور، بعضها يمثل توثيقا رائعا لجدليات عديدة كجدلية السلطة والحرية، وجدلية الانتماء والنقد حين يحد الانتماء المؤسسي من حرية النقد الداخلي، وجدلية الهوية والاستقلال، حيث يخيل للفرد استقلاله بعد المنصب محاولا تعريف ذاته عبر النقد.
ولا ينبغي الوقوع في شرك الظن بأن كل نقد بعد المنصب هو شجاعة أو توثيق، فبعض ما قد يوصف بأنه شجاعة النقد ما هو في الحقيقة إلا رغبة في إعادة التموضع اجتماعيا أو سياسيا، كما رأينا في كثير من مرويات الاعترافات المتأخرة التي يحاول أصحابها العبور من خلالها إلى مناصب أعلى تعيد لهم مجدهم المنصرم وحضورهم الاحتفائي الصاخب، مما يعيد الشجاعة الحقيقية إلى القدرة على اقترافها حيث الكلفة أعلى والأثر أعمق.
ختاما: لا يمكن حصر حالات تمرد المسؤول بعد التزام وصمت، كما لا يمكن حصر وسائل الاعتراف والنقد ومآلاتها، ولا ينبغي وضع كل مبررات النقد بعد المنصب في سلة واحدة نرميها بالسلبية أو الإيجابية إجمالا.
ولا بد هنا من الإشارة إلى العقد الأخلاقي في سياق العمل المؤسسي مهما تبدلت الأدوار أو تغيرت المواقع فلا ينبغي كشف أسرار تمس أمن الوطن أو تنال من لحمة أبنائه؛ سعيا لمصلحة شخصية أو انتصارا ذاتيا في معارك وخلافات سابقة مع أول سانحة لتغير موازين القوة وكسر دائرة الصمت، حريّ بنا بعد كل ذلك التساؤل والتفكر: ليس حول لماذا ينتقد المسؤولون مؤسساتهم بعد مغادرة مناصبهم؟ وإنما لماذا لا تُعاد صياغة النظام المؤسسي الذي لا يسمح لهم بالنقد الداخلي أثناء عملهم؟
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية
