التَّطهُر بالخيانة
بمجرد أن تقرأ في الأخبار خبرَ أن فلسطينيًا ينحدر من صلب قائد شهيد قد أصبح اليوم منافسًا على مقعد الحزب الديمقراطي في الكونغرس الأمريكي، فليس لك إلا أن تستبشر أول الأمر بفتحٍ قريب؛ ففوز هذا المرشح سوف يعني اختراقًا فلسطينيًا عربيًا للسلطة التشريعية في الولايات المتحدة الأمريكية، ومزاحمةً سياسية تنافس النفوذ الصهيوني الطاغي وتتحداه. لكن الخبر ليس هنا بعد، والبِشارة ليست في محلها كما يوحي بها اسم المرشح عمَّار بن ياسر النجار. فالشاب الكاليفورني حفيد الشهيد أبي يوسف النجار كان قد تخلى أول ما تخلى عن اسمه الذي لم يعجبه، ليختار اسمًا بعيدًا عن الشبهة بـ«الإرهاب» وأقل عرضة للتنمر خلال مشواره السياسي المتعثر، فغدا يُعرّف نفسه «عمار جوزف كامبا_نجار: ضابط احتياط في البحرية الأمريكية».
عمَّار نموذج لاضطراب الهوية في شخصية تشكلت بين عالمين متناقضين، فلا هو فلسطيني ولا هو أمريكي، بل مزيج مُحيَّر الكيمياء، نشأ في بلدٍ هو أشبه بالخلَّاط الكوني للهويات والثقافات واللغات والأنساب. انتبه لنفسه طفلًا لأب فلسطيني من أم مكسيكية في كاليفورنيا. جده، محمد يوسف النجار (أبو يوسف) كان علمًا على رأسه نار في حركة فتح، وكان من رعيلها الأول أصحابِ «الطلقة الأولى»، وواحدًا من ثلة قليلة من الرجال الذين تركوا وظائفهم في الخليج (حيث كان موظفًا بوزارة المعارف القطرية)، ونهضوا ليوقدوا الثورة الفلسطينية من حطام الجيوش العربية المهزومة في حرب 1967، فجمعوا بقايا الأسلحة ونثار الذخيرة من السهول والأغوار والخنادق، وبدأوا تنظيم معسكرات الفدائيين في الأردن وجنوب لبنان.
ويُذكر أن عمار عاش أربع سنوات من طفولته في غزة. ولعل صدمة الفارق الهائل بين المكانين، بين غزة وكاليفورنيا، هي التي دفعته لإكمال حياته في الولايات المتحدة إلى الأبد؛ حيث سيغريه عمله في وزارة العدل، خلال فترة أوباما بدخول عالم السياسة الأمريكية ونادي نفاقها الفضائحي.
عادت سيرة الحفيد الأمريكي لأبي يوسف النجار إلى الإعلام بعد إعلانه اعتزال العمل السياسي يوم الأربعاء الماضي، وذلك إثر خسارته في الانتخابات التمهيدية بين الديمقراطيين. فشلٌ سياسي مضاعف ذاق مرارته مرتين من قبل، أول مرة كانت عام 2018، أمام خصمه دنكان هنتر، الجمهوري الشرس، والعنصري الذي شن ضده حملة تحريض صوَّرت عمَّار عربيًا متعاطفًا مع الإرهاب يسعى لاختراق الكونغرس، وذلك لكونه حفيد إحدى الشخصيات الفلسطينية المتهمة بالتخطيط والتدبير لعملية اختطاف اللاعبين الإسرائيليين أثناء دورة الأولمبياد الصيفية التي شهدتها مدينة ميونخ الألمانية عام 1972.
ردت إسرائيل على العملية التي قُتل فيها الرياضيون الإسرائيليون بسلسلة اغتيالات انتقامية أطلقت عليها عنوان «غضب الرب». وفي ليلة التاسع من أبريل عام 1973 تسللت فرقة من قوات النخبة الخاصة بجيش العدو الإسرائيلي إلى بيروت الغربية، يقودها ضابط يدعى إيهود باراك متنكرًا بزي امرأة ترتدي باروكة شقراء. ولم يبن ضوء النهار حتى صحت بيروت على صدمة اغتيال القادة الثلاثة بحركة فتح، أبي يوسف النجار، والكمالين كمال ناصر وكمال عدوان. وظل إيهود باراك يتباهى بهذه العملية الأسطورية، ويسوق بها حملاته الانتخابية حتى أصبح رئيسًا للوزراء في الكيان الصهيوني.
رغم عدم دقة المعطيات التي تشير إلى ارتباط أبي يوسف النجار بمنظمة أيلول الأسود المسؤولة عن العملية الفدائية في ميونخ، لم يخجل عمَّار من نفسه ولا من قومه حين أعلن في أكثر من مناسبة البراءة من جده وسيرته النضالية ووصفه أمام جمهوره بالإرهابي! بل ذهب في البراءة من جده إلى الحد الذي فاجأ حتى خصومه السياسيين المتنمرين على نسبه، فذهب إلى أحضان قاتل جده وجدته، إيهود باراك، لا غيره!
أراد الشاب الديمقراطي المحبط من هزيمته أمام الجمهوريين أن يهرب من اسمه واسم عائلته إلى أبعد مكان في الكوكب. فتَّش عن مكان أبعد ما يكون عن فلسطين، عن مكان يطهر سيرته الذاتية من أي شبهة أو ارتباط بيولوجي بالإرهاب، فلم يجد سوى حضن إيهود باراك في استقباله بعد أن ألحَّ عمَّار في طلب اللقاء، فكان له ما أراد في أكتوبر عام 2019.
نشر عمَّار صورته الحميمة مع قاتل جده وجدته التي قتلت في العملية وهي تحاول الدفاع عن زوجها. وعلَّق التعيس للصحيفة اليهودية جويش إنسايدر (Jewish Insider) واصفًا تلك الساعة التي أمضاها مع إيهود باراك بقوله: «كانت تجربة تطهيرية عميقة بالنسبة إليّ».
السؤال الآن أيضًا عن باراك نفسه، كيف يشرح القاتل المجرم دهشته من هذا الشاب المندفع نحو خيانة دمه كما يندفع العاصي النادم للتوبة؟ ينقل عمَّار للصحيفة نفسها عن ذلك اللقاء: «لقد تحدثنا عن اعتقاده بأننا على بعد مليمتر واحد فقط تحت الجلد، جميعنا متشابهون. ثم قال: إنه يتوقع أن يجلس جيلي وأحفاده يومًا ما إلى طاولة السلام، ولن نستطيع حتى أن نفسّر لأنفسنا لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت».
خرج عمّار من البوابة الخلفية لمسرح السياسية الأمريكية وقد أدى مشهدًا نموذجيًا في الخيانة، «خيانة حداثية» مائعة كما يجب القول، مطعمةً بمشاعر التوبة والتطهر كما وصفها شاب فلسطيني طموح أراد يومًا أن يصبح أمريكيًا ناصعًا فطعن جده الشهيد في قبره، ولسان حاله أمام الناخب الأمريكي وأمام إيهود باراك قولُ المعري محرفًا عن معناه: هذا جناه «جدي» علي/ وما جنيتُ على أحد...
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني
