الحرب وتداعياتها وتحصين فكر الأجيال
لا تزال الأزمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، تفرض نفسها على المنطقة والعالم، ويقف الشرق الأوسط على صفيح ملتهب، خاصة مع التصعيد الذي شهدته الحرب مؤخرا، على الرغم من جهود التهدئة التي تُبذَل من عدة أطراف في المنطقة بينها سلطنة عمان.
ولا يمكن التكهن بنتائج هذه الأزمة وحجم تأثيراتها وامتدادها، مهما حاول المحللون قراءة معطياتها ومؤشراتها، وتكمن خطورة تداعيات الحرب التي بدأت تمسّ شعوب العالم اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، في تعقيداتها وتعدد أطرافها.
وحين يكون الصراع على ممر بحري طبيعي وعبور سلاسل الأمداد من منطقة عربية بحجم الخليج وما يمتلكه من ثروات تغذي العالم، بما يقدر بـ 20 مليون برميل من النفط يومياً وما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي، فإن اتساع رقعة التأثيرات الاقتصادية والسياسية سوف تمتد لتؤثر على ثقافة الشعوب، وتقاربها والسلام العالمي الذي يتأثر كذلك بالمتغيرات الجيوسياسية، لتصل التأثيرات إلى العلاقة بين الشعوب وتقاربها وتقبلها للآخر، وخطورة ظهور أيديولوجيات جديدة بين المجتمعات نتيجة تأثيرات الأحداث.
ونحن في سلطنة عمان لسنا ببعيد عن هذه الأزمة، وتأثيراتها، وقد لامست شرارة الحرب الأراضي العمانية، الأمر الذي تعاملت معه الجهات المختصة بحزم صارم، داعية في الوقت نفسه إلى ضرورة التقيّد بأحكام سيادة الدول وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام الأعراف والقيم الأخلاقية للجوار، وواصلت مسارها الداعي إلى ضبط النفس والعودة للحوار، وسعت إلى تعزيز كافة الجهود الداعية إلى تثبيت اتفاق التهدئة، إيمانا منها بخطورة الأوضاع وتصاعد تأثيرات الحرب في حال استمرارها.
كما أكدت سلطنة عمان على كافة الأصعدة ضرورة ضمان حرية الملاحة وسلامتها في مضيق هرمز، بما يكفل حقوق المرور والعبور وانسياب حركة السفن والتجارة والإمدادات، وفقًا لأحكام القانون الدولي، وبما يحفظ الحقوق السيادية لجميع الدول المشاطئة لمياه الخليج ، وهذا الموقف العماني راسخ وواضح لكل الأطراف.
ويتوافق الموقف الرسمي لسلطنة عمان والتعامل الحكيم مع الأوضاع الراهنة، مع الموقف الشعبي والإعلامي في البلاد، وقد نال هذا الموقف شرف الإشادة من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ففي اجتماع مجلس الوزراء يونيو الماضي، أشاد جلالته - أعزهُ الله - «بالسمت العُماني في الأطروحات التي أبداها المواطنون، والتي تعبر خير تعبير عن الاتزان الذي يميز الشخصية العُمانية في تعاملها مع مختلف القضايا، مثمناً الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام العُمانية في التعبير عن مواقف سلطنة عُمان تجاه الأحداث والقضايا المختلفة وعلى نهج العقلانية والاتزان في الطرح وتغليب المصلحة الوطنية « هذه الإشادة تدعونا إلى مواصلة هذا النهج في التعاطي مع الأحداث الدائرة، والالتزام بالطرح المتزن الذي نتميز به في سلطنة عمان، والنابع من تفرد الثقافة العمانية المتزنة في التعاطي مع الأحداث، بما يتوافق مع السمت الأصيل الذي نعتز به، و نتعامل به مع العالم.
إن الأحداث وما تفرضه من تداعيات، مؤلمة وخطيرة في كل الأحوال، وتكمن خطورتها في تداعياتها الآنية والمستقبلية، خاصة إذا ما تعمقت وتسللت إلى المعتقدات والأفكار والثقافات، حينها قد يتحول ذلك إلى ما هو أبعد من خطر الصواريخ والطائرات والقنابل، ليصل إلى تغير في السلوك والنهج والفكر المظلل الذي قد يؤدي إلى متاهات خطيرة يجب الحذر منها وتحصين فكر الأجيال من تسللها إلى عقولهم.
إن تحصين الأجيال من خطر تسلل الأفكار الضالة والهدامة، مسؤولية الجميع، مؤسسيا واجتماعيا، وعلى المؤسسات أن تمارس أدوارها في التثقيف والتوعية، وتوضيح المسارات الصحيحة التي يجب الانتباه إليها، أو تلك التي يجب الحذر منها، كما يتحمل الإعلام و مؤسسات المجتمع المدني مسؤولية توعية الشباب، من تداعيات الأزمات، و ضرورة استثمار الأحداث بما يعزز ثقتنا في مؤسساتنا وإدارتها للأزمات والتعاطي مع الأحداث، وعدم الانجرار خلف شعارات هدامة تحطم عقول الشباب وثقتهم في أوطانهم و قيادتهم، ونهج بلادهم الذي يمضي بثقة لصون مقدرات الوطن ومكتسباته.
إن الخطاب الرسمي العماني المتزن، يدعونا إلى مزيد من الالتزام، بالخطاب والطرح المتزن والهادئ، والبعد عن كل ما قد يؤثر على نسيج المجتمع العماني وتماسكه وتعاضده، حتى لا تصل إلينا تأثيرات هذه الحرب والأزمة وتمس فكرنا وسمتنا وعاداتنا وتقاليدنا ووحدتنا الوطنية الراسخة، وانتماءنا لعمان وولاءنا لقيادتها الحكيمة التي تدير التعامل مع الأحداث بحكمة متناهية الدقة، مؤكدة نجاحها في كافة المراحل التي مرت بها هذه الحرب.
سهيل النهدي من أسرة تحرير «عمان»
