مناضل الفيسبوك!
هو مشهد يومي يكاد يتكرر بحذافيره منذ سنوات طويلة. يستيقظ من نومه منزعجًا. يفتح النافذة ويرسل تنهيدة كبيرة لتسبح في الفضاء الفسيح. يمسك هاتفه ويطلق في صفحته تدوينة غاضبة تتغير يوميًّا بحسب الأحلام التي رآها في نومه، ومعظمها كوابيس، أو وفق مزاجه الصباحي، وأغلبه معتل. وحتى لو كان المزاج أقل اعتلالا فلا بد من عبارة: «ما هذه البلاد التي...» كجزء من «بريستيج» المثقف الذي لا تكتمل أسطورته إلا بشتم الصباح، وتأنيب الهواء، وتحميل السكّر الزائد في الشاي مسؤولية قسوة الحياة، وتحويل خيباته الصغيرة إلى قضايا وجودية كبرى. لا شيء يعجبه، كما هو مسافر الباص في قصيدة محمود درويش: «لا الراديو، ولا صُحُفُ الصباح، ولا القلاعُ على التلال»، ويمكن أن تضيف إليها ما تشاء بشرط الاعتذار للشاعر.
عندما كان صحفيًّا في جريدة، كان يدخل المكتب وكسلُه يسبقه بخطوات. لا يبحث عن خبر جديد، ولا يفتش عن معلومة مهمة، ولا يتعب نفسه بسؤال مصدر واحد. فقط يفتح وكالات الأنباء، يقصّ من هنا، ويلصق من هناك، ثم يضع اسمه على المادة، وينتشي بإنجازه منتفخًا كالطاووس. ومع ذلك كان لا يتوقف عن التنظير عن «الصحافة الحقيقية»، و«المعايير المهنية»، ولا يتورع عن توزيع شهادات الجهل على زملائه، خصوصًا أولئك الذين رفضوا إقراضه المال، بعد أن تعلّموا بالتجربة أن القرض عنده نوع من الهبة المؤجلة إلى يوم القيامة. يصل مقر عمله متأخرًا، ويغادره مبكرًا، ويتحدث طوال الوقت بلغة فوقية وكأن على الجميع أن يسجد شكرًا لله على مجرد حضوره بينهم.
كان طبيعيًّا إذن أن تشكره الجريدة على «خدماته الجليلة»، وهي العبارة المهذبة التي تستعملها المؤسسات حين تريد أن تقول للكسالى: كفى، وتُحيل أعمالهم إلى موظفين أكثر التزامًا وأقلّ تنظيرًا في المهنية، وأصدق حضورًا في العمل. وهنا يندهش صاحبنا من هذا «النكران» لجميله الصحفي، وقلة التقدير لموهبته الفذة، فتعشش في مخيخه نظرية المؤامرة، ويبدأ في نسج أوهامها بخيط رفيع من الغرور والبطالة؛ هناك من تَخَوَّفَ من عبقريته فأقصاه، وثمة من تآمر لإبعاده لأن وجوده يفضح خواء عديمي الموهبة، بل إن المؤسسات الصحفية كلها اتفقت سرًّا على تجاهله. أما كسله، ورداءة مواده، وغياب التزامه، فليست إلا تفاصيل صغيرة لا يراها إلا الحاقدون!
يوقن بعدها، مستعينًا بكونديرا، أن «الحياة في مكان آخر»، وأن ممارسة الموهبة الصحفية تكون في مكان آخر أيضًا. لكن سمعته السيئة تَسبقه كل مرة فتفسد عليه مخطط «إنقاذ مهنة الصحافة» من الكسل، والابتزاز، والسطحية، وتحويل الخبر إلى منشور دعائي، والرأي إلى شتيمة، والتحقيق إلى إعادة تدوير لبيانات العلاقات العامة. كان يريد أن يخلّص الصحافة من كل هذه الآفات، دون أن ينتبه للحظة أن سيرته المهنية تصلح نموذجًا تعليميًّا عليها كلها.
لم يجد في النهاية سوى أن يكون مناضلا في صفحته في فيسبوك ضد السُلطة، و«المطبلين لها» من زملائه القدامى الذين آلمه نجاحهم رغم أنهم لا يصلون إلى عُشْر موهبته، كما خيلت له النرجسية. هؤلاء لم ينجحوا إلا لأنهم «أبناء السلطة» تربوا في حِجْرها، وشربوا من حليبها، وناموا في أسرّتها. أما هو فابنُ الموهبة اليتيمة التي تآمر عليها الثَقَلان، ورضيعُ العبقرية التي لم تجد ثديًا ترضع منه، ونزيلُ سريرٍ باردٍ في مستشفى الخذلان، ينتظر أن تأتيه الصحافة معتذرةً، حاملةً باقة وردٍ وشهادة تقدير عن كل مقالاته التي لم يكتبها، وكل «سبوقاته» الصحفية التي لم ينجزها. لا بد من فضح أبناء السلطة إذن. لكن تتبقى مشكلة بسيطة: لا أحد يتذكر له خلال ربع قرن من الزمان موقفًا واحدًا دفع ثمنه، ولا معركة خاضها من أجل الناس، ولا تحقيقًا صحفيًّا انحاز فيه إلى فقير. حتى الشعب نفسه لا يظهر في كتاباته إلا شاهدًا على مظلوميته الشخصية، أو جمهورًا مقصّرًا في التصفيق له. كل أرشيفه النضالي يبدأ في الحانة بكأس يرفعها احتجاجًا على الاستبداد، وتدوينة على صفحته يطلقها بعد الكأس الثالثة هاجيًا «هذه البلاد التي» لا تفرّق بين الصحفي العظيم وموظف الحضور والانصراف. بهذا فقط هو يهزم السلطة يوميًّا، ثم يعود إلى بيته آخر الليل مطمئنًّا إلى أن الوطن نجا مؤقتًا بفضل منشوره الأخير!
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني
