العرب في إسرائيل غير آمنين
09 مارس 2026
ترجمة: أحمد شافعي
09 مارس 2026
قبل أن تشن إسرائيل والولايات المتحدة الحرب على إيران ازدادت موجة مختلفة من العنف وضوحًا في المجتمع الإسرائيلي؛ إذ اعترت موجة إجرامية المدن والبلدات الفلسطينية الإسرائيلية.
فقد قتل في المتوسط واحد يوميا على الأقل من مواطني إسرائيل الفلسطينيين منذ بداية العام. وفي الحادي عشر والثاني عشر من فبراير وحدهما لقي ستة مصرعهم في حوادث منفصلة، منهم امرأة في الشمال، وابن عمدة سابق في الجنوب.
وترجع هذه الوفيات إلى حد كبير إلى الجريمة المنظمة والعنف المسلح ضد الأوساط العربية، أما استمرارها دونما رادع فيعزى إلى فشل الدولة.
يمثل المواطنون الفلسطينيون قرابة 80% من حالات القتل الموثقة في البلد برغم أنهم يمثلون 20% فقط من السكان. وفي العام الماضي لقي مائتان واثنان وخمسون مواطنًا فلسطينيًا مصرعهم في جرائم قتل متصلة بالجريمة.
وتمثل طبيعة دولة إسرائيل وقانونها سياقًا لفهم موجة الجريمة الحالية؛ فالتعريف التأسيسي للدولة اليهودية في إسرائيل أنشأ تمييزًا هيكليًا ضد المواطنين الفلسطينيين. ومنذ إنشاء دولة إسرائيل سنة 1948 حتى عام 1966 فرضت الحكومة حكمًا عسكريًا على المواطنين الفلسطينيين، وجردوا من الحقوق المخولة للمواطنين اليهود بدءا بتخصيص الأرض والموارد حتى أنصبة الميزانية الوطنية. وفي السنوات التالية واجه المواطنون الفلسطينيون تمييزًا في التشريع، وإقصاء من السياسة، وحظرًا للرموز الثقافية والسياسية.
وازداد إقصاء المواطنين الفلسطينيين من المجتمع الإسرائيلي وضوحًا في انتخابات 2015 حينما قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للناخبين: إن العرب «يتجهون إلى مراكز الاقتراع أفواجًا» مستعملًا بذلك حقهم في التصويت بوصفه أداة تحريض. وفي 2018 أجيز ما يعرف بقانون الدولة الوطنية ليزيد من تهويد دولة إسرائيل.
وبرغم أن كلا من الرئيس الإسرائيلي ومفوض الشرطة قد وصفا العنف ضد الإسرائيليين الفلسطينيين بأنه حالة طوارئ وطنية؛ فما من خطة وطنية واضحة لإيقافه. في الحادي والثلاثين من يناير قام عشرات آلاف الإسرائيليين الفلسطينيين واليهود بمسيرة إلى تل أبيب للتنبيه إلى العنف. وطالبوا أيضا باتحاد الساسة العرب لدعم إقبال الناخبين على التصويت. ويرجو الكثيرون أن يطاح بحكومة نتنياهو ومعها إيتمار بن غفير وزير الأمن الوطني الذي يتولى سلطة الشرطة، ويمثل أداة تنفيذ سياسة محسوبة لتمكين الجريمة المنظمة العربية بدلا من مكافحتها.
ولقد سهل للغاية تجاهل هذه الموجة الإجرامية برغم أنها كان يجب أن تثير انتباه أي إسرائيلي يبالي بسيادة القانون.
فالمواطنون الفلسطينيون في إسرائيل موجودون في كل مكان، وفي الوقت نفسه غائبون عن المشهد. وهم يمثلون ما لا يقل عن 25% من الأطباء، و49% من الصيادلة و27% من التمريض في المستشفيات. وهم سائقو حافلات، وندل، ومعلمون، وأساتذة في الجامعات. والإسرائيليون اليهود على اتصال بهم طيلة الوقت. غير أن الإسرائيليين الفلسطينيين يعيشون في عزل عميق وظلم مؤسسي في ما يتعلق بالحقوق الأساسية والخدمات والأمن والاقتصاد. وذلك ما يسر لجماعات الجريمة المنظمة أن تملأ الفراغ، وأن تستغل المجتمعات الفلسطينية.
ولأن المواطنين الفلسطينيين لا يحصلون إلا على 2% فقط من الرهون العقارية؛ فإنهم في الغالب مرغمون على اللجوء إلى المرابين.
وفي الحرب يصبح التمييز مريعًا؛ فقرابة نصف الفلسطينيين في إسرائيل -أي أكثر من نصف مليون نسمة- يعيشون في بيوت بلا غرف آمنة أو مساحات محمية. وأكبر بلدية عربية في إسرائيل -أي بلدية رهط- هي موطن نحو ثمانين ألف شخص، ولكنها بلا أي ملجأ عام من القصف.
وتقل كثيرا احتمالية توجيه الاتهام في جرائم قتل المواطنين الفلسطينيين عنها في جرائم قتل اليهود؛ ففي حين أن 65% من قضايا القتل التي يكون الضحية فيها يهوديا في إسرائيل يتم حلها، فإن 15% فقط من القضايا التي يكون الضحايا فيها فلسطينيين تنتهي بمقاضاة ناجحة للجاني.
وفي إسرائيل غالبا ما يكون تفسير ارتفاع معدل جرائم الأوساط الفلسطينية تفسيرا عنصريا؛ فكثير من الإسرائيليين اليهود يعدون هذه الجرائم نتيجة حتمية للعقلية والثقافة العربيتين بما يعفي الدولة من المسؤولية عن هؤلاء المواطنين.
وحتى وقت قريب كان تركيز المواطنين الفلسطينيين منصبًا على الكفاح من أجل مزيد من الاندماج في المجتمع والسياسة الإسرائيليين، لكن مطلبهم المدني الأكبر الآن هو الأمن الشخصي.
يعتقد أن الدافع الأكبر للوباء الإجرامي الراهن هو شبكة من الأسر الإجرامية من الإسرائيليين الفلسطينيين عجزت الدولة طويلا عن السيطرة عليها. وتمارس هذه العائلات الابتزاز والإقراض الربوي والاتجار في السلاح والمخدرات في المدن والبلدات الفلسطينية في إسرائيل.
ولقد ارتفعت معدلات القتل ارتفاعًا كبيرًا منذ أن تولى ائتلاف نتنياهو السلطة في نهاية ديسمبر 2022 واستعان ببن غفير ذي السجل الإجرامي في التحريض على العنصرية ضد الفلسطينين. وخلال ولايته لقي أكثر من سبعمئة وسبعين مواطنا فلسطينيا مصرعهم في حوادث مرتبطة بجرائم، أي أكثر مما شهدت السنوات الثماني السابقة مجتمعة. (وقد أصر بن غفير على أنه استثمر موارد في التعامل مع الموجة الإجرامية).
قالت لي عايدة توما سليمان العضوة الفلسطينية الإسرائيلية في الكينيست: «مفهوم أنهم يحاولون دفعنا إلى مغادرة البلد. فلو أن الدولة تستغل المستوطنين في الضفة الغربية للتطهير العرقي للفلسطينيين فهي تستخدم داخل إسرائيل جماعات الجريمة المنظمة».
ووصفت المناخ بمناخ القهر والخوف: «لقد حاولنا نحن الفلسطينيين أن نوسع نطاق مواطنتنا، وننشئ علاقات مدنية مع الدولة، لكن من الواضح في السنين الأخيرة أن الدولة غير مهتمة».
وازدادت قوة الشرطة تسيسا في ظل حكم بن غفير؛ في 2023 ألغى تمويل برنامج فعال ورثه عن حكومات سابقة لمكافحة الجرائم في الأوساط العربية.
كما ازداد سوء معاملة الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية في ظل حكم بن غفير. كما أنه فرض هدم بيوت فلسطينية في إسرائيل يعيش فيها عشرات آلاف المواطنين البدو في ما يعرف بالقرى غير المنظمة، وهي مناطق لم توفر لها الدولة الإسرائيلية الخدمات الأساسية من قبيل المياه الجارية والكهرباء.
ويزعم ين غفير أن الهدم يرمي إلى ردع البناء غير الشرعي وتعريف من يعيشون في تلك القرى بمن الذي يملك حقًا الأرض التي يقيمون عليها. كما أصدر تعليمات للشرطة بقمع حرية التعبير والتظاهر فبات الفلسطينيون يتعرضون للاعتقال بناء على نشرهم انتقادات في مواقع التواصل الاجتماعي للحكومة.
قال محمد مجدلي الصحفي الفلسطيني الذي يقدم نشرة أخبار في إذاعة ناطقة بالعربية، ويقدم تحليلات بالعبرية في القناة 13: «الجريمة والعنف في الإعلام العربي يأتيان في مقدمة الأخبار كل يوم. في الإعلام العبري هذا غير موجود». وقال لي مجدلي: إنه يعتقد أن كل مواطن فلسطيني تقريبا فقد شخصا أو يعرف من فقد شخصا بسبب العنف، وهو شخصيا فقد ثلاثة أصدقاء.
ويواجه الصحفيون الفلسطينيون تهديدات مستمرة من جماعات الجريمة بعدم تغطية هذه القضية.
قال مجدلي: إن المشكلة الأساسية هي الأسلحة النارية غير الشرعية، وأكثرها مسروق من القواعد العسكرية الإسرائيلية. وعدد أقل يجري تهريبه من البلاد المجاورة.
هذا الوضع المزري الذي يعيش فيه المواطنون الفلسطينيون أفضى بالأحزاب العربية الأربعة الرئيسية في إسرائيل إلى إعلان أنها سوف تخوض الانتخابات العامة المتوقعة في خريف 2026 مرة أخرى بوصفها قائمة موحدة. ومن الواضح أن مواطني إسرائيل الفلسطينيين ـ وهم إجمالا مليونان ـ سيكونون شديدي الأهمية في أي تحول ائتلافي سياسي في انتخابات إسرائيل القادمة؛ فقبل أن تبدأ الحرب أظهرت بيانات الاستطلاعات مرارا أن الأحزاب المؤيدة لنتنياهو والمشكلة للائتلاف الحالي بعيدة عن الوصول إلى الأغلبية المؤلفة من واحد وستين مقعدا من مقاعد الكينيست اللازمة لتشكيل ائتلاف جديد.
لكن الأحزاب المناهضة لنتنياهو في المعارضة ـ وأغلبها يميني ـ تفتقر هي الأخرى إلى التأييد.
وفي حين أن هجمة حماس في السابع من أكتوبر 2023 زادت المعارضة لنتنياهو وسط الإسرائيليين اليهود؛ فقد زادت في الوقت نفسه من حدة مشاعر المعاداة للفلسطينيين في المجتمع الإسرائيلي برغم أن مواطنين فلسطينيين تعرضوا هم أنفسهم للأسر والاغتيال.
أفضى هذا إلى وضع يحتم ـ برغم ازدياد كثير من الإسرائيليين خوفا من الفلسطينيين وعداء لهم ـ على كل من يريدون الإطاحة بنتنياهو أن يتعاونوا مع الأحزاب الفلسطينية الصغيرة من أجل ذلك.
والمشكلة هي أن معظم قادة المعارضة تعهدوا بعدم العمل مع الفلسطينيين. ويعارض أكثر من 70% من الإسرائيليين اليهود ضم الأحزاب العربية إلى ائتلاف حاكم وفقا لاستطلاع رأي حديث أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية. ولا يعني هذا أن ساسة بعينهم لن يلتفوا في نهاية المطاف على هذا الأمر.
قالت عايدة توما سليمان: إن «العرب يريدون أمرين: القدرة والأمل». وما تأمل فيه هي على المستوى الشخصي هو «التأسيس لسياسات جديدة للتعاون العربي اليهودي».
لا بد للإسرائيليين اليهود الذين يناضلون من أجل الحفاظ على النظام الديمقراطي الليبرالي في البلد من أن يفهموا أن هذا الجهد سوف يتقوض إذا بقيت الأقلية الفلسطينية بغير حماية، وبقيت مواطنتهم من الدرجة الثانية. وليست المساواة في تخصيصات الموارد للأوساط الفلسطينية إلا البداية.
غير أن أي شيء سوف يحدث فإنه سيحدث بعد فوات الأوان بالنسبة لمرام جربان من بلدة جسر الزرقا الساحلية. فأختها روزيت البالغة من العمر ثلاثة وعشرين عاما لقيت مصرعها برصاصة طائشة في الصيف الماضي.
حكت مرام جربان: «إنني أسمع صوت الرصاص طول الوقت. ما من أمن. ومنذ الاغتيال لا تغادر أمي المنزل، ويعاني أحد أبنائي من مصاعب في الدراسة بالمدرسة». فالأمر الوحيد المهم بالنسبة لمرام جربان هو أن تتوقف جرائم القتل.
