دماء على دفاتر الطفولة
عصرني الألم بشدّة، وأنا أرى صور الدماء المنسكبة على الدفاتر والمتخثّرة على الأقلام، وسبورات الدرس، المحطّمة بفعل الخراب الذي أحدثه سقوط صاروخ أمريكي مسيّر على مدرسة «الشجرة الطيبة» للبنات في محافظة (ميناب) الإيرانية الذي أسفر عن سقوط عدد كبير من الطالبات، بلغ (85) وإصابة (60) طالبة بجروح، حسب ما نقلته وكالات الأنباء.
فمعاول صاروخ الخراب عاث فسادا في (الشجرة الطيبة) وكسّر أغصانها، وأحرق أوراقها، فصمت جرس المدرسة عن الرنين.
وهو مشهد صار مألوفا في الحروب التي تعصف بعالمنا، ولنا بما يتعرّض له أطفال (غزّة) من قتل، وانتهاك خير مثال.
ولا غرابة أن يحدث هذا في عالم طغت به لغة الخصام على لغة السلام، وتراجعت به لغة الحوار، والتفاهم، وعلت لغة القتل، وحين يتصارع الكبار في ميادين القتال، يسقط الصغار ضحايا هذا الصراع، وليصبحوا وقودا في حروب عبثية تلتهم الحجر، والشجر، وتسلب الأرواح من الأبدان، ويضيع أخضر الحياة بسعر اليابس، رغم أن الأمم المتحدة سنّت العديد من القوانين في اتفاقية جنيف وبروتوكولاتها التي أقرتها عام 1949 بهدف حماية المدنيّين، واعتبرت قتلهم جرائم حرب، ومع ذلك يستهدف أطراف الصراع، في كلّ الأماكن التي تدور بها رحى الحرب، المدارس والمستشفيات، ويضربون بذلك، هذه الاتفاقيات الدولية، عرض الحائط، وفي النهاية يحصد الكبار النياشين، ولا يجني الصغار إلّا الرصاص، ولافتات الحداد، والأجساد المشوّهة، والأعضاء المبتورة بفعل انفجار الألغام المزروعة، التي تضيّق عليهم مساحات لهوهم، في عالم يرفع شعارات تدعو لحماية حقوق الأطفال في التعليم وتوفير سبل الحياة الكريمة .
وهذه الجريمة التي راح ضحيتها الأبرياء ليست الأولى، فقد أعادتني إلى يوم 13 أكتوبر عام 1987م حين رأيت مشهدا ظلّ محفورا بذاكرتي إلى هذه الساعة، ففي ذلك اليوم، خرجت من (كلّيّة الآداب) الكائنة في الباب المعظم ببغداد أيّام دراستي الجامعيّة، وسرت باتجاه الميدان وصولا إلى شارع الرشيد، وإذا بموكب جنائزي، وهو مشهد كان مألوفا أيام الحرب العراقية- الإيرانيّة، لكنّ الشيء غير المألوف أن الجنائز كانت صغيرة وملفوفة بالعلم العراقي، ومطوية عدة طيات؛ لأنهّا لم تفصّل لتغطية توابيت بهذه الحجوم الصغيرة، وكنت قد سمعت صباحا خبر سقوط صاروخ أرض أرض قادم من الأراضي الإيرانية على مدرسة ابتدائية في منطقة الدورة ببغداد هي مدرسة (بلاط الشهداء) فسقط حوالي 70 طفلا مضرّجين بدمائهم، إلى جانب عشرات الجرحى، وكان الموكب هو موكب تشييع جنائزهم، يومها عرفت أن الحرب عندما تقوم لا تفرّق بين صغير وكبير، وبين عسكري ومدني، ولا تفرّق بين ثكنة قتاليّة، وبيت آمن، فالحرب (ذميمة) كما وصفها زهير بن أبي سلمى في معلّقته الخالدة قائلا:
فما الحرب إلّا ما علمتم وذقتم
وما هو عنها بالحديث المرجّم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة
وتضرى إذا ضريّتموها فتضرم
وحين سئل عنترة بن شداد عن الحرب وصفها بقوله: «أولها شكوى، وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى»، فحين يعجز الحوار عن حلّ المشكلات، ويعلو صوت الكراهية، تتراجع الفضائل الأساسية، وتحلّ محلّها «القوّة والخداع «كما يرى الفيلسوف الإنجليزي توماس هويز(1588-1679م)، ويغيب القانون، ويسود الخوف، وتهيمن الوحشية على السلوك، ويوما بعد آخر، تبدأ الأزمات، ويشتدّ الشعور بالندم، وتكون النتيجة الدمار والموت، لنا في حرب البسوس التي وقعت بين قبيلتي بكر وتغلب، واستمرّت أربعين عاما، وكان فتيل الحرب قتل ناقة!
وعلاقة الإنسان بالحروب قديمة، فمنذ أن خلقه الله على الأرض بدأت الصراعات، وكان الإنسان البدائي يستخدم الحجارة والآلات المدبّبة في القتال، والسهام، ومن ثمّ استخدم السيوف، والدروع، والمجانيق، بعد ذلك استخدم الرصاص والقنابل والمدافع، والدبّابات، ومن ثمّ الطائرات، والصواريخ وصولا إلى العصر الحديث عندما دخلت التكنولوجيا طرفا في المعادلة فصارت الحرب تُشنّ عن بُعْد عبر المسيّرات.
ورغم كل التجارب المريرة التي خاضتها البشرية، لم يتّعظ الإنسان، واستمر «مشعلو الحرائق»، كما وصفهم الكاتب السويسري ماكس فريش في مسرحيته الشهيرة، في نشر الخراب والدمار، وعلت لغة الرصاص، وارتفعت دوائر الدخان، وفي النهاية، يتعب الطرفان من الصراع، ويعودون لطاولة الحوار، فالكل يعلم أن الحلّ الأخير يكمن في السلام الذي نزف الكثير من دمه حين تحطمّت شجرة الطفولة الطيّبة.
عبدالرزّاق الربيعي شاعر وكاتب عماني
