من العرف إلى الدولة: «التدرج التاريخي لبناء السلطة في عُمان حتى قيام الدولة البوسعيدية»
19 نوفمبر 2025
19 نوفمبر 2025
د. علي بن سعيد الريامي -
لم تكن عُمان عبر تاريخها الطويل كيانا هامشيا في جغرافيا المنطقة؛ بل كيان سياسي وحضاري مستقلّ بقراره ومواقفه. وقد وصف ابن خلدون عُمان في «العِبر» بأنها مملكة من ممالك جزيرة العرب، وقال عنها: «إقليم سلطاني منفرد»، في إشارة إلى ما تتمتع به من خصوصية تكوينها السياسي واستقلال شخصيتها في مختلف الحِقَب التاريخية، وهذه الخصوصية إنما هي نتاج تضافر عوامل عدّة، في مقدّمتها موقعها الإستراتيجي على الحافة الجنوبية الشرقية لشبه الجزيرة العربية، وتنوّع واجهاتها البحرية حيث تطل على بحر عُمان وبحر العرب والخليج العربي، فضلًا عن طبيعة طوبوغرافيتها فإذا كانت جبالها وصحاريها شكلت حواجز حماية طبيعية، فإن إطلالتها البحرية مكّنتها من الانفتاح على العالم الخارجي حيث التجارة والملاحة، والتواصل مع مختلف المراكز الحضارية العالمية. وقد ظلّ البحر عنصر التأثير الأكثر أهمية في شهرة عُمان التجارية والملاحية عبر القرون، وهو ما عبّر عنه أندريه شغاكوف بالقول: «وكانت السفن العمانية تبحر إلى إندونيسيا وجنوب الصين، وسريلانكا (سرنديب)، ومدغشقر، وزنجبار، وظلت التجارة والنقليات في البحار الجنوبية مركّزة في أيدي التجار والبحارة العمانيين طيلة مئات السنين».
تلك الخصائص الطبيعية والسمات البشرية بما تشكله من أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية مدخل مهم لفهم التطور التاريخي الذي مرت به عُمان وتمييز طبيعة أنظمة الحكم المتعاقبة وسماتها، وديناميكية بناء السلطة السياسية في عُمان، ومن الملاحظ أن القيادات السياسية المتعاقبة تعي قيم الإرث العظيم المكتسب والمستمد من التجارب التاريخية المتراكمة، وأصبح ذلك الإرث جزءًا أصيلًا من الهوية العمانية، وهو ما أكده حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق-حفظه الله- في خطابه بتاريخ 23 فبراير 2021م بالقول: «لقد عرف العالم عمان عبر تاريخها العريق والمشرّف كيانًا حضاريًّا فاعلًا ومؤثرًا في نماء المنطقة وازدهارها، واستتباب الأمن والسلام فيها...، وتحرص على أن تظل رسالة عمان للسلام تجوب العالم حاملة إرثًا عظيمًا وغايات سامية تبني ولا تهدم، تقرّب ولا تباعد...».
من المؤكد أن أحداث التاريخ لا تسير على وتيرة واحدة، ويشبّه الفلاسفة الدول بالكائن الحي الذي ينمو ويتطور ويتجدد، وتلك سنة كونية، وكل نظام سياسي يولد مرهون بظرفية تاريخية معينة، ويتأثر بعوامل مختلفة تساهم في ولادته وتشكله، وعُمان باعتبارها كيانا سياسيا عريقا ليست حالة استثنائية، فهي ومنذ فترة مبكرة من عمرها امتلكت مقومات الدولة (شعب، إقليم، سلطة، وسيادة)، غير أن أنظمة الحكم التي تعاقبت عليها لم تثبت على صيغة محددة، بل كانت متغيرة حسب المقتضيات الظرفية التاريخية، فما كان يناسب مرحلة معينة قد لا يناسب مرحلة أخرى، لذلك سيلاحظ المتتبع لصيرورة التاريخ العماني تعددية في نظم الحكم بها، لكن بقت -بشكل أو بآخر- من حيث الجوهر للتقاليد الثقافية السائدة القائمة على التوافق بين مكوّنات المجتمع، مع ميلٍ فِطريّ إلى الاستقلالية.
يستقصي هذا المقال بشكل مختصر التطور التدريجي لبناء السلطة في عُمان عبر مختلف الحقب التاريخية، من خلال الإشارة إلى أبرز المنعطفات المهمة التي تشكلت على أثرها، وساهمت في تطور أنظمة الحكم والسلطة، وصاغت عقدها الاجتماعي الناظم لعلاقة السلطة بالرعية، وعلاقتها مع مختلف الكيانات السياسية التي تزامنت معها.
تشير الشواهد الأثرية إلى معرفة عُمان بالنظام الملكي منذ الألف الثالث قبل الميلاد؛ إذ عُثر على نقشٍ جنائزي بخط المسند ذُكر فيه «ملك عُمان»، بما يشي بوجود نظام ملكي وسلطة سياسية مبكّرة. ومع الهجرات العربية، خاصة من جنوب الجزيرة، تبلورت صيغ حكم سُلالية وقبلية، وقد اتضح ذلك جليًّا مع هجرة الأزد إلى عُمان وتأسيس حكم عربي قبلي بزعامة مالك بن فهم، ويبدو أن توريث السلطة كان حاضرًا، على نحوٍ ينسجم مع السياق العربي القديم، إذ تشير المصادر إلى انتقال الحكم من بعده -بعد حادثة مقتله خطأً على يد ابنه سليمة- إلى ابنه هناءة.
بعد سلالة مالك بن فهم انتقل الحكم لاحقا إلى سلالة أخرى من الأزد وهي سلالة معولة بن شمس، وقد أشار العوتبي إلى أول ملوكهم بالقول: «فأول ملوك المعاول بعمان عبد العز بن معولة بن شمس بن عمرو، فملك واشتد ملكه، وكان من أعز الناس نفسا ومملكة». وعند بزوغ الإسلام، كان الحُكم في يد بني الجُلندى وهم من سلالة بني معولة بن شمس، وقد خاطبهم الرسول - في رسالةٍ حملها عمرو بن العاص لملكي عُمان، في إشارة إلى نظام تشاركي في الحكم بين الأخوين. ومع قيام الإمامة الإباضية في عُمان للمرة الأولى عام 132هـ/749م، تحوّل اختيار الحاكم من التوريث السُّلالي إلى الشورى والبيعة من «أهل الحلّ والعقد»، وجاء اختيار الإمام الأول من السلالة الحاكمة السابقة وهو الجلندى بن مسعود (132-134هـ/749-751م).
لم تَصمد الإمامة الأولى طويلًا في ظلّ ضغط الخلافة العباسية، التي سعت لإسقاطها، لكنها رسّخت مبدأ الحكم القائم على الاختيار من أهل الفضل والعلم والتقوى والكفاءة لا على أساس المكانة القبلية، وعلى مبدأ الاختيار المفتوح وليس التوريث، وهو تطور لافت في تجربة الحكم؛ ذلك أن نظام الإمامة الذي تشكّل في عُمان في تلك الحقبة التاريخية كان قد استمد مبادئه الأولى من تجربة الحكم الأولى في الإسلام إثر اجتماع السقيفة واختيار الخليفة الأول أبي بكر الصدّيق (رضي الله عنه).
أعادت الإمامة الثانية (177-280هـ/793-893م) إنتاج التوازن بين الفكرة الدينية كمنطلق لنظام الحكم والنظام القبلي، وذلك بانتخاب أول إمام من سلالة اليحمد، وبقي الحكم يتداول في اليحمد باستثناء إمام واحد هو عبد الملك بن حميد العلوي (208-226هـ/ 822-840م)، لكنه في المقابل لم يكن نظامًا وراثيًّا تقليديًّا، كما كان الإمام مهددًا بالعزل إذا خالف شروط البيعة أو ارتكب ما يستدعي عزله، وفي الوقت ذاته حافظ الأئمة على التشاور في القرارات المصيرية مع العلماء وزعماء العشائر. غير أن الإخلال بهذه القاعدة كان يُفضي إلى انقسامات، كما حدث في أواخر إمامة الصلت بن مالك (237-273هـ/851-885م)، حين تفاقم الصراع، وبعد فترة تحول إلى انقسام فكري حول الشرعية بين «النزوانية» و«الرستاقية»، وهو اختلاف بدأ في شكل تنظير واستقطاب سياسي إلا أنه سرعان ما تحول لاستقطاب قبليّ أوسع (يماني/نزاري).
تلك الانقسامات الداخلية فتحت البابَ للحروب الأهلية والتدخلات الخارجية. وفي ظل هذه الحالة من عدم الاستقرار والتنازع وصل بنو نَبهان إلى السلطة بالتغلّب لا بالاختيار، وتلقّبوا بالملوك والسلاطين والأمراء، وحافظوا على نظام انتقال الحكم بالوراثة عموديا وأفقياً داخل الأسرة النبهانية، واتسم عهدهم بتنافسٍ شديد على السلطة داخل الأسرة نفسها وصراعاتٍ قبلية، ولم تنجح خلاله أيٌّ من صيغ الحكم القائمة -لا الملكية النبهانية ولا الإمامة- في توحيد الدولة، فاستغل الغزاة البرتغاليون ذلك لفرض هيمنتهم واحتلال المناطق الساحلية منذ عام 1507 إلى أن نجح اليعاربة في طردهم وتحرير عُمان سنة 1650م.
في مرحلة تاريخية مفصلية أتى انتخاب الإمام ناصر بن مرشد اليعربي (1624-1649م)، فعُمان كانت مقسّمة إلى ممالك وإمارات صغيرة ومشيخات قبلية، كما كانت واقعة تحت الاحتلال البرتغالي، لذا اجتمع أهل الحل والعقد في مدينة الرستاق لانتخاب إمام قادر على توحيد البلاد وقيادتها للتحرر من البرتغاليين، وهكذا جاءت بيعة الإمام ناصر من قبل أبرز العلماء وعدد من زعامات القبائل، مع ملاحظة أن الإمام ناصر ينتمي إلى سلالة أسرة حاكمة مركزها الرستاق ونخل، وهكذا يتكرر المشهد مع انتخاب إمام جديد بعد فترة انقطاع وانقسام، حيث يتم اختياره من الكفاءات ومن يتوسمون فيه قيادة المرحلة الحرجة، ويكون الاختيار في الغالب في تلك الظروف من سلالة خبرت شؤون الحكم، على أن يكون لأهل الحل والعقد كلمة الفصل، وقد نجح الإمام ناصر في توحيد البيت اليعربي أولاً، ثم توحيد القبائل، وبالتالي توحيد البلاد لتتمكن من مواجهة الغزاة ودحرهم.
بعد وفاة الإمام ناصر انتقل الحكم بالمبايعة لابن عمه وصهره سلطان بن سيف الأول(1649-1668م)، وهناك رواية يذكرها المؤرخ السالمي عن الإمام ناصر، والتي يمكن الاستدلال بها على فكرة الاستخلاف «... وخليفتي الذي أخلفه ركنا لهذا المذهب»، حيث لم يكن للإمام ناصر وريثا من الأبناء الذكور، وقد أوصى لابن عمه سلطان بالحكم بالنظر إلى ما كان يملكه من مؤهلات قيادية، لكن منذ عهد الإمام سلطان مالت السلطة لاحقًا إلى التوريث العمودي، خلافا للمبدأ النظري للإباضية القائم على الشورى؛ وبقى التوريث قائماً ينتقل من الأب إلى الابن حتى وفاة سلطان بن سيف الثاني 1711م، وعندما وصل خليفته سيف بن سلطان الثاني وكان صغير السن، لا يملك الخبرة ولا الكفاءة، دخلت الإمامة اليعربية مرحلة الضعف ما أجّج الصراعات والانقسام الحزبي المتمثل في (الغافري/الهناوي)، كما تمت الاستعانة بقوى خارجية لترجيح كفّة بعض المتنافسين على السلطة من أفراد البيت اليعربي.
في ذروة التدافع والانقسام الداخلي وتدخل القوى الخارجية، برز الإمام السيد أحمد بن سعيد البوسعيدي باعتباره شخصية موحّدة، بعد مقتل الإمام سلطان بن مرشد في معركة صحار عام 1743م، ومنذ عام 1744م بدأ الإمام أحمد بن سعيد استعادة الوحدة العُمانية وبسط سيطرته على كافة الأراضي العُمانية، بعد أن رسّخ شرعيته بتحرير البلاد وتثبيت دعائم الوحدة الوطنية.
وصل الإمام أحمد بن سعيد إلى السلطة بالاختيار والبيعة، فكان أول إمام من الأسرة البوسعيدية، أما عن تداول الحكم فقد استمر وراثيا، كما كان الحال إبان الدولة اليعربية، حيث انتقل الحكم بعد وفاة الإمام أحمد إلى ابنه سعيد بن أحمد (1783-1792م) الذي عرف أيضا بلقب الإمام، وهو آخر من تلقب بالإمام من أبناء الإمام أحمد، وما جرى بعد ذلك يعد بداية تغير جذري في نظام الحكم، ولما كان للإمام أحمد عديد الأبناء فلم يخل الأمر من تنافس حاد أحياناً بين الأخوة لاقتسام السلطة، فمثلا الحاكم الفعلي الثالث السيد سلطان بن أحمد بن سعيد(1792-1804م)، لم يصل للحكم بالبيعة، وإنما بالغلبة منهياً بذلك نظام الاختيار وبيعة أهل الحل والعقد، مرسخاً بذلك الطابع السلطاني للدولة، مع محاولاتٍ محدودة لإحياء الإمامة لكن لم يُكتب لها النجاح (مثل تجربة عزّان بن قيس 1868-1871م، والتجارب التالية منذ 1913-1959).
تتابع الحكم الوراثي العمودي داخل الأسرة البوسعيدية في ذرية السلطان تركي بن سعيد حتى الآن، مع استثناء حالة تنصيب جلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور- حفظه الله - حيث وصل لسدة الحكم بالوصاية من قبل السلطان قابوس (1970-2020) - رحمه الله -، إذ لم يكن له أبناء، وترك أمر الاختيار حسب النظام الأساسي للدولة الإصدار الأول (101/96) في المادة (6) «يقوم مجلس العائلة الحاكمة، خلال ثلاثة أيام من شغور منصب السلطان، بتحديد من تنتقل إليه ولاية الحكم. فإذا لم يتفق مجلس العائلة الحاكمة على اختيار سلطان للبلاد قام مجلس الدفاع بتثبيت من أشار به السلطان في رسالته إلى مجلس العائلة». ومما جاء في وصية السلطان الراحل إلى مجلس العائلة الحاكمة: «... فإننا بعد التوكل على الله، ورغبة منا في ضمان استقرار البلاد؛ نُشير بأن يتولى الحكم السيد هيثم بن طارق؛ وذلك لما توسمنا فيه من صفات وقدرات تُؤهله لحمل هذه الأمانة...».
هذه الوصية بصيغتها لا سابقة لها في التاريخ العُماني، وهو تطور يعكس حرصاً كبيراً من المغفور له بإذن الله، على وحدة البلاد، والحفاظ على مكتسبات نهضته، وأن تستكمل تلك النهضة التي بدأها في 23 يوليو بنهضة متجددة تأخذ في الاعتبار متطلبات المرحلة والمتغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية في العالم.
هكذا أسّس النظام الأساسي للدولة آليةً واضحة لانتقال الحكم داخل أسرة آل بوسعيد، وعزّز الإصدار الأخير (المرسوم السلطاني 6 /2021) قواعد آلية انتقال السلطة ضمن تحديد صريح لوليّ العهد الموصى به، فنصّت المادة (5) على: «تنتقل ولاية الحكم من السلطان إلى أكبر أبنائه سنًّا، ثم إلى أكبر أبناء هذا الابن، وهكذا طبقة بعد طبقة...»، مع بيان حالات بديلة تضمن استقرار الدولة وسلاسة تداول السلطة.
ختاماً، يمكن القول إن إرث نظام الحكم في عُمان هو نتاجُ تجارب وتراكم تاريخيّ اتّسم بالمرونة والتدرج والقدرة على التكيّف مع مقتضيات كلّ مرحلة: من الملكية القبلية المبكّرة، إلى الإمامة بالشورى، وصولاً إلى مؤسسة الحكم السلطانية الحديثة بمؤسساتها ونصوصها الدستورية، فليس مهماً أن يكون نظاماً ملكياً أو إمامياً أو سلطانياً، أو أن يكون بالاختيار الحر المفتوح أو بالاختيار المغلق أو بالوراثة العمودية أو الأفقية وإنما الأهم أن يحقق العدالة، ويذود عن البلاد ويحقق مصالح العباد، ويحمي المصالح الوطنية، وهو ما عبرّ عنه الحارثي صاحب كتاب العقود الفضية بالقول: «المطلوب عند علماء المذهب من الملوك استقامتهم ونشر الدين والعمل بالكتاب والسنة، ثم لا يهمهم من تولاهم إماماً أو سلطاناً أو ملكاً».
ومع عهد النهضة المتجددة على الصعيد الداخلي تم البدء في تطبيق اللامركزية في الإدارة المحلية، أما على الصعيد الخارجي فمن الملاحظ التوجه إلى انفتاح وتواصل واندماج أكبر في النظام العالمي مع إيلاء اهتمام متزايد بتبادل المصالح الاقتصادية، وهناك اشتغال ملحوظ على توظيف ممنهج لمقومات القوة الناعمة التي تمتلكها السلطنة، خاصة وأن لها رصيداً كبيراً ووازناً في بناء العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل وسياسة الحياد الإيجابي دون التفريط في القيم العُمانية الأصيلة، والمواقف الثابتة في نصرة القضايا الإنسانية العادلة، والدعوة إلى إرساء قيم العدالة والأمن والسلام لجميع شعوب العالم.
د. علي بن سعيد الريامي رئيس قسم التاريخ، جامعة السلطان قابوس
