المعادلة الصحية في الدولـة

26 يوليو 2023
26 يوليو 2023

هلِ الدّولةُ في حاجةٍ إلى الحريّة أم إنّ الحريّة لا قيامة لها من غير دولة؟ وهل حاجةُ الدّولة إلى الحريّة - إن وَقَع التّسليم بها - حاجةُ كينونةٍ أم حاجةُ اشتغال؟ ثمّ هل توقُّفُ الحريّة على الدّولة توقُّفُ وجودٍ أم إنّ وجودها قائمُ الذّات غيرُ ناقص؟ وأخيراً، متى تُهدِّد الحريّةُ الدّولةَ ومتى تتهدَّد الدّولةُ من الحريّة؟

هذه أسئلةٌ لم تتوقّف الفلسفةُ السّياسيّة عن طرحها وتناوُلها حتّى اليوم، لأنّ راهنيّتَها تَحْمل على ذلك حتّى وإن تباينت، قليلاً، مع الأسئلة الأولى التي طرحها فلاسفةُ العقد الاجتماعيّ في القرنين السّابع عشر والثّامن عشر. ولسنا نعني بالرّاهنيّة، هنا، حالة العلاقة المضطربة بين الحريّة والدّولة في مجتمعات اليوم، خاصّةً في العقود الأخيرة التي شهدت على صعود موجات هوجاء - أغرقتِ المجتمعات والدّول في فوضى عارمة - من طراز النّيوليبراليّة والعولمة، وإنّما نعني بها تلك اللّحظةَ التّاريخيّة الجديدة التي دشّنتْها أزمةُ نموذج الدّولة الوطنيّة منذ ثلاثينات القرن العشرين. لقد عادت، من جديد، أسئلةُ الماضي لِتطرح نفسها بعد أن تهيّأت لها البيئة الخصيبة، فكان لا بدّ من العودة إلى البدايات: إلى الفلسفة السّياسيّة الحديثة لافتحاص مضمون أجوبتها عن أسئلةٍ لمّا تزل هي نفسُها الأسئلة التي تفرض نفسَها على كلّ وعيٍ مهجوسٍ بهندسة المجتمعات والدّول هندسةً سياسيّةً متينة.

تستقيم معادلة الدّولة- الحريّة فقط حين تُؤْخَذان في تلازميّتهما العضويّة؛ حين يقع الإقرار باقترانهما معاً وحاجةِ كلٍّ منهما إلى الآخر، وهذا - طبعاً - بقطع النّظر عن الخلاف حول أيٍّ منهما أسبقُ وجوداً والشّرطُ التّحتيّ لقيام الآخر. ولقد كان هذا شأنها منذ منتصف القرن السّابع عشر إلى منتصف القرن التّاسع عشر في أوروبا. لكنّ المعادلةَ إيّاها تختلّ ما إن يُفَـكّ الارتباطُ بين حديْها فيميل الواحد منهما إلى الرّجحان والغلبة على غيره: إمّا تميل الدّولة إلى وأْد الحريّة، أو كَبْت الحريّات، أو الغلوّ في التّسلطيّة، وإمّا تميل الحريّة إلى مجاوزة الأطر القانونيّة التي تفرضها الدّولة عليها وانتزاع مساحاتٍ جديدة لها لم يقع التّوافق عليها. وهو ما بدأ التّنظير له، في القرن التّاسع عشر (مع الفوضويّة والنّزعة الفردانيّة كما مع تبجيل القـوّة)، قبل أن يصير أمراً واقعاً في القرن العشرين. هكذا تنهار العلاقة بين الدّولة والحريّة حين يقع الانتقالُ - وقد وقَع - من التّلازم بينهما إلى الاشتباك، من علاقة التّبادل المصلحيّ إلى علاقات الإلغاء المتبادل!.

سلَّم فلاسفة السّياسة المحدثون (في القرنين 17 و18) بذلك التّلازم بين الدّولة والحريّة، لكنّهم اختلفوا في تقدير مَن منهما يؤسِّس الثّاني وبالتّالي، مَن منهما عليه أن يخدم الثّاني كي تستمرّ علاقة التّلازم تلك. مال فلاسفة العقد الاجتماعيّ (توماس هوبس، جون لوك، باروخ سپينوزا، جان جاك روسو، إيمانويل كَنْت) إلى القول إنّ الحريّةَ شرطٌ لقيام الدّولة، والدّولة - باعتبارها كياناً قام على التّوافق عليه في عقدٍ اجتماعيّ للخروج من حالة الطّبيعة - ما كان يمكنها الوجود لو لم يكنِ النّاس أحراراً لكي يتعاقدوا على أمْر إقامتها. بل ذهب بعضُ هؤلاء الفلاسفة إلى حسبان الدّولة مجرّد أداة اصطنعها المجتمع لكي تحافظ على حَقّيْن من الحقوق الطّبيعيّة للأفراد (وقد صارت، بقيام الدّولة، حقوقاً مدنيّة): الحقّ في الحُريّة والحقّ في المُلْكيّة. أمّا هيغل - الذي وجّه نقداً شديداً لفلسفة العقد الاجتماعيّ - فمال إلى التّشديد على أنّ الحريّة ليست معطًى سابقاً لوجود الدّولة، بل هي منتوج سياسيّ أنتجَتْه الدّولة وقوانينُها التي شَرَّعتِ الحريّات وأقرّتْها. وقد قَرَن هيغل - شأنه في ذلك شأن مونتسكيو- بين الحريّة والقانون، فلا حريّة عنده - بهذا المعنى- سوى تلك التي تعترف بها القوانين وتحميها، أي تلك التي تقع تحت سقف الدّولة. مع ذلك، ظلّ هيغل ينظر إلى الحريّة بما هي جوهرُ الدّولة. هكذا نجدنا أمام خلافٍ فلسفيّ في جزئيّةٍ أنطولوجيّة لم يُفْضِ إلى نقض الجامع بين المختلِفِـين: النّظر إلى الدّولة والحريّة في تلازمهما العضويّ وتكامُل أدوارهما.

آذَن الاختلال في العلاقة بينهما ببداية تأزُّمٍ حادّ في نموذج الدّولة الوطنيّة. تَولَّدَ من ذلك الاختلال نموذجان سيّئان للعلاقة بين الحدّين: نموذجٌ تسلُّطيّ يقع فيه التّضييق الشّديد على الحريّة وصولاً إلى محْوها؛ ونموذج فوضويّ يقع فيه انفلات الحريّة من كلِّ عِقالٍ سياسيّ ومجتمعيّ. دشّن النّموذج الأوّل النّظامان النّازيّ الألمانيّ والسّتالينيّ السّوڤييتيّ؛ وفي نطاقهما شهدت الحريّات، العامّة والفرديّة، على أسوأ حالاتها نتيجة سياسات القمع والتّصفيّات الدّمويّة وملاحقة المعارضين. وفي نطاقه وقع الانتقال من نظام الدّولة الوطنيّة إلى النّظام الكُلاّنيّ (= التّوتاليتاريّ). وتَدَشَّن النّموذج الثّاني بصعود موجة الحركات الفوضويّة في أوروبا، لكنّه شهد على ذروته مع بداية فرض منظومات من المبادئ - تكاد جميعُها تُشْتَقُّ من مصدر واحد (حقوق الإنسان) - على مجتمعات العالم ودُوله، وذلك من طريق توسُّل القانون الدّوليّ، وسياسات الضّغط، والعقوبات الاقتصاديّة والحصار...إلخ. هكذا بات كلّ إنسان - في عرف هذه الإيديولوجيا التي تكرّست مع العولمة - حرّاً؛ أي غير مقيّد بقوانين دولته (لأنّه محميٌّ بـ «القانون الدّوليّ»!)، ممّا فتح تلك الحريّة على فوضًى لا نهائيّة، وعلى منزِع عدائيّ ضدّ الدّولة والمجتمع في امتداد دعوات «تُبشّر» بنهايتهما! ها نحن، إذن، أمام نموذج ثانٍ للعلاقة بين حدّيْ الدّولة والحريّة نقيضٍ للأوّل: نموذج ينتهي فيه ذلك التّلازم - بل ينتهي فيه حتّى التّعايُش- بينهما ليصبح وجود الواحد منهما متوقّفاً على إلغاء الثّاني! وهو، اليوم، النّموذج الذّاهب إلى الصّيرورةِ النّموذجَ السّائد في العالم!

لا نضيف جديداً حين نقول إنّ المعادلة المثلى هي تلك التي استقرّ عليها الفكر السّياسيّ الحديث ونموذج الدّولة الوطنيّة: معادلة التّلازم والتّفاعل التّبادليّ بين الدّولة والحريّة؛ حيث الدّولة الحقّ هي التي تقدّس حريّات مواطنيها وتحميها بما هي طاقة تعتني بها وتغتني بها شرعيّةُ النّظام السّياسيّ فيها؛ وحيث الحريّة الحقّ هي التي تضع نفسها في خدمة المصلحة العامّة ودولة القانون لا المصلحة الخاصّة والهوى والمزاج. من دون إعادة إنتاج هذا النّموذج المرجعيّ، لا شيء يضمن أن لا تمرّ البشريّة بعصرٍ سياسيّ كالح ينشر الفوضى والحروب.