مغامرة ترامب بالعملات المشفرة: إنقاذ للدولار أم مقامرة؟
04 فبراير 2026
ترجمة: نهى مصطفى
04 فبراير 2026
رغم فك ارتباط الدولار بالذهب، وتراكم عقود من تراجع الانضباط المالي للحكومة الأمريكية، فضلًا عن المحاولات المستمرة التي تبذلها جماعات إجرامية وإرهابية وحكومات أجنبية للبحث عن بدائل لوسائل الدفع التقليدية، حافظ الدولار على موقعه المهيمن.
وأسهمت هذه الهيمنة في كبح تكاليف الاقتراض الأمريكية رغم الارتفاع المتواصل في حجم الدين العام. إلا أن هذا الركن الجوهري من أسس الاستقرار الاقتصادي الأمريكي ونفوذها الجيوسياسي بات اليوم يواجه تحديًا جديدًا يتمثل في صعود البدائل الرقمية.
خلال ولايته الأولى، دأب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وصف صناعة العملات المشفّرة بأنها عملية احتيال.
غير أن هذا الموقف تبدل لاحقًا، بعد أن ضخت عائلته استثمارات كبيرة في هذا القطاع، وراهنَت إدارته على أن ما يعرف بالعملات المستقرة المقومة بالدولار، وهي عملات رقمية تصدرها جهات خاصة وتخضع لتنظيم الحكومة الأمريكية وتستند في قيمتها إلى النقد وأصول الدولار الآمنة الأخرى، يمكن أن تسهم في تعزيز موقع الدولار بوصفه عملة الاحتياط العالمية الأولى.
وبعد دعمه لقانون «جينيوس» الذي أُقر في صيف العام الماضي، والذي يضع إطارًا تنظيميًا للعملات المستقرة المرتبطة بالدولار، روج ترامب للولايات المتحدة باعتبارها لاعبًا رائدًا في هذا المجال عالميًا.
بخلاف العملات المشفرة غير المدعومة، التي تتسم بتقلبات حادة تحد من قدرتها على الانتشار الواسع، تتعهد العملات المستقرة، التي ظهرت قبل نحو عقد، بتقليص هذه المخاطر، وخفض تكاليف المعاملات بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات، فضلًا عن توسيع نطاق الشمول المالي للأفراد المحرومين من الخدمات المصرفية التقليدية.
وإذا شهد سوق العملات المستقرة نموًا كبيرًا مع بقائه مقومًا بالدولار، بما يعزز الطلب على الديون الأمريكية، فقد يسهم ذلك في ترسيخ هيمنة الدولار وتعظيم النفوذ الذي يوفره للولايات المتحدة، سواء من خلال زيادة فاعلية العقوبات المالية أو تعزيز دور واشنطن في صياغة المعايير الجديدة للنظام المالي العالمي.
غير أن هذه المكاسب تظل غير مضمونة مع توسع سوق العملات المستقرة. إذ يمكن لمُصدري العملات المستقرة المقومة بالدولار أن يتخذوا من أي مكان في العالم مقرًا لهم، ما يجعل الجهات التنظيمية الأمريكية معتمدة على تعاون واسع من أطراف أجنبية لضمان أن تكون هذه الأدوات المالية الجديدة موثوقة بقدر الودائع المصرفية أو النقد التقليدي.
ويعتبر تنظيم هذا القطاع مهمة معقّدة حتى في الظروف المثالية، لكنها تصبح أكثر إشكالية في ظل تقلب سياسات إدارة ترامب، ونهجها التصادمي تجاه التجارة، ونفورها من الأطر التنظيمية الصارمة. وبدلًا من الاصطفاف مع الولايات المتحدة لتعزيز هيمنة الدولار، قد يتسامح حتى أقرب حلفائها مع جهات تشغيل غير منضبطة، أو يضعفوا مكانة العملات المستقرة المقومة بالدولار عبر تفضيل العملات الرقمية التي تصدرها بنوكهم المركزية.
وما لم تبذل واشنطن جهدًا منسقًا وجادًا لفرض وتوحيد تطبيق قواعدها التنظيمية، فإن هذه التكنولوجيا قد تسهم في تسريع تفتيت الأسواق المالية العالمية بدلًا من توحيدها.
أبدى ترامب آراءً متضاربة حول ما إذا كانت هيمنة الدولار تخدم المصالح الوطنية الأمريكية. فخلال حملته الرئاسية عام 2024، زعم أن الدور المحوري للدولار كعملة عالمية شوه سعر صرفه وأضر بالقدرة التنافسية للشركات الأمريكية. وبمجرد توليه الرئاسة، تعهد بمعاقبة الدول التي تحاول تقويض هيمنة الدولار، إلا أن هذا التهديد لا يزال مجرد كلام.
لكن الأسواق، لا القادة الأفراد، هي التي تحدد - إلى حد كبير- العملات التي تعتبر أفضل مخزن للقيمة وأكثر وسائل التبادل موثوقية. ولا تزال الولايات المتحدة تتمتع بأعمق أسواق مالية وأكثرها تطورًا، وبأكثر الشركات ابتكارًا في العالم، وبنظام قضائي وهيئات تنظيمية مستقلة إلى حد كبير، وكل ذلك يعزز هيمنة الدولار.
ولا يزال الدولار يمثل أكثر من نصف احتياطيات النقد الأجنبي العالمية وفواتير التصدير، ونحو 90% من معاملات العملات الأجنبية.
شهدت احتياطيات الدولار انخفاضًا منذ عام 2000 تقريبًا، حين كانت تمثل نحو 70% من إجمالي الحيازات. ويعكس جزء من هذا التحول جهدًا طبيعيًا من جانب الدول لتنويع حيازاتها. إلا أن عدم القدرة على التنبؤ بسياسات واشنطن، وسعيها لاستخدام قوتها الاقتصادية لفرض عقوبات أو حتى ترهيب حلفائها ومنافسيها، قد أدى إلى تسارع البحث عن بدائل. سعت الصين إلى تعزيز استخدام الرنمينبي من خلال قروض مبادرة الحزام والطريق وخطوط مقايضة العملات بين البنوك المركزية.
كما أنشأت الهيئات التنظيمية الصينية والروسية أنظمة دفع بديلة لتجاوز شبكة سويفت التي يهيمن عليها الغرب. حتى أن أوروبا جربت نظامًا شبيهًا بالمقايضة للتجارة مع إيران بعد أن أعادت إدارة ترامب الأولى فرض العقوبات. ويبحث المسؤولون الأوروبيون الآن سبلًا لتقليل اعتماد أسواقهم على الشركات الأمريكية مثل ماستركارد وفيزا في عمليات الدفع.
لكن التحدي الأكبر الذي يواجه الدولار قد يكمن في المستقبل، مع ازدياد زخم ثورة العملات المشفرة. فقد أدى إطلاق البيتكوين عام 2009 إلى ظهور صناعة متنوعة تشمل الآن مجموعة واسعة من العروض، من العملات المشفرة البديلة الشائعة مثل الإيثيريوم وحتى «عملات الميم» الترفيهية.
ومن خلال نقل الأموال عبر تقنية البلوك تشين (مجموعة من السجلات الرقمية الموزعة عبر شبكات الحاسوب في جميع أنحاء العالم)، توفر هذه العملات فوائد هائلة محتملة.
يمكن تحويل الأموال دون التأخيرات والرسوم المرتبطة بالحسابات المصرفية وبطاقات الائتمان، ولم تعد التحويلات الدولية تعتمد على شبكة معقدة من العلاقات المصرفية. وبإمكان الشركات متعددة الجنسيات، نظريًا، إدارة السيولة بسهولة أكبر عبر مختلف الدول، وإرسال الحوالات المالية عبر الحدود الوطنية فورًا وبدون رسوم تقريبًا.
كما يمكن للأسر في الدول النامية حماية مدخراتها بسهولة في الأصول المرتبطة بالدولار، مما يقلل من تعرضها لتقلبات عملاتها المحلية. ويمكن تحويل الأسهم والسندات وحتى العقارات إلى رموز رقمية لتسهيل التحويلات بسلاسة تامة. صحيح أن قيمة العملات المشفرة غير المدعومة، مثل البيتكوين، قد تشهد تقلبات حادة، إلا أن العملات المستقرة والعملات الرقمية للبنوك المركزية مصممة لتكون موثوقة كالنقد في المحفظة.
يوجد حاليًا مُصدران رئيسيان للعملات المستقرة.
أصدرت شركة تيثر، ومقرها السلفادور، عملة مستقرة بالدولار الأمريكي بقيمة سوقية تبلغ 187 مليار دولار، مدعومة بسندات الخزانة الأمريكية، بالإضافة إلى سندات الشركات، والبيتكوين، والذهب. أما شركة سيركل، التي تفخر بكونها شركة أمريكية (وبالتالي تخضع بالكامل للوائح الأمريكية)، فقد أصدرت عملات مستقرة بقيمة 78 مليار دولار، مدعومة بشكل أساسي بالنقد وسندات الخزانة الأمريكية. وحتى الآن وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، لا تتجاوز القيمة الإجمالية للعملات المستقرة المتداولة 0.5% من القيمة السوقية لبورصة الولايات المتحدة. إلا أن هذه القيمة تمثل ضعف القيمة منذ عام 2024.
لم يكن تحول ترامب خلال ولايته الثانية نحو العملات المشفرة مفاجئًا، فقد ضخ مسؤولون تنفيذيون في هذا المجال أموالًا طائلة في حملته الرئاسية لعام 2024، ومولوا إطلاق مشاريع عائلته في هذا القطاع.
وإلى جانب إصدار عملات رقمية تحمل اسمه واسم السيدة الأولى ميلانيا ترامب، أسس الرئيس وأبناؤه الثلاثة شركة «وورلد ليبرتي فاينانشال»، التي أصدرت رموزًا رقمية تُقدّر قيمتها حاليًا بـ 4.4 مليار دولار، وأطلقت عملتها المستقرة الخاصة بالدولار.
وخلال ولايته الثانية، منع الرئيس صراحةً مجلس الاحتياطي الفيدرالي من تطوير عملة رقمية للبنك المركزي، استجابةً لمخاوف أقلية صاخبة بشأن تهديدات الخصوصية الشخصية.
يوفر قانون «جينيوس»، الذي وقعه ترامب في يوليو 2025 بحضور مسؤولين تنفيذيين في مجال العملات المشفرة - بعضهم من كبار المتبرعين لحملته الانتخابية - أول إطار تنظيمي أمريكي للعملات المستقرة. يفرض القانون قواعد الشفافية وعمليات تدقيق مستقلة على الشركات المُصدرة لهذه العملات، ويلزمها بأن تكون مدعومة بنسبة 1:1 بنقد أو سندات خزانة أمريكية أو أصول سائلة أخرى عالية الجودة. وللحد من هروب العملات من البنوك التقليدية وأدوات الاستثمار، يحظر قانون «جينيوس» على مُصدري العملات المستقرة الدولارية دفع فوائد، ولا يوفر أي ضمان حكومي كحماية. يُلزم القانون بالامتثال لقواعد مكافحة غسل الأموال الأمريكية، ويُلزم المُصدرين بالمساعدة في إنفاذ العقوبات الأمريكية عن طريق حظر المعاملات أو تجميد الأصول، كما تفعل البنوك بالفعل.
مع كل هذه القيود، تبدو العملات المستقرة مشروعًا تجاريًا مربحًا للغاية، حيث يحصل المُصدرون على جميع الفوائد المكتسبة من احتياطياتهم. تتجه البنوك الأمريكية الكبيرة وتجار التجزئة وشركات الدفع بسرعة لإطلاق عملاتها المستقرة الخاصة: أعلن بنك أوف أمريكا ودويتشه بنك وجولدمان ساكس عن خطط لإصدار عملات مستقرة بعدة عملات كجزء من اتحاد يضم تسعة بنوك عالمية.
إذا نجحت العملات المستقرة المقومة بالدولار في جذب الاهتمام الذي تراهن عليه إدارة ترامب، فستتاح للشركات الخاصة عالميًا فرصة إصدار ومعالجة ما يشبه الدولار الرقمي بكفاءة عالية. ورغم أن بعض المُصدرين سيسعون للامتثال للقواعد الأمريكية حفاظًا على الثقة والعلاقات التنظيمية، فإن غياب كثير منهم عن الأراضي الأمريكية سيحد من خضوعهم الكامل لهذه القواعد.
ومع احتدام المنافسة، قد تميل بعض الجهات إلى تجاوز الضوابط عبر تقديم حوافز بديلة أو تحمل مخاطر سيولة، ما قد يؤدي في أوقات الأزمات إلى اضطرابات في الاسترداد وتفاوت في أسعار تداول العملات المستقرة تبعًا لمستوى الثقة في الضمانات التي تدعمها.
قد يتجاهل بعض المصدرين اللوائح الأمريكية عمدًا، مقدمين ضمانات زائفة أو وعودًا بحوافز غير مستدامة. وفي الدول التي تعاني أصلًا من صعوبة احتواء التهرب الضريبي، قد توفر العملات المستقرة المقومة بالدولار وسيلة جديدة لتجنب رقابة الحكومات. ومما لا شك فيه أنها ستضعف قدرة العديد من الدول على الحفاظ على الاستقرار المالي وتحديد أسعار الفائدة مع تدفق العملات خارج أنظمتها المصرفية.
سيكون من الصعب على واشنطن تطبيق لوائحها المتعلقة بالعملات المستقرة في الدول الصديقة. لكن الصعوبة الأكبر التي ستواجه الجهات التنظيمية الأمريكية تكمن في الحفاظ على نفوذها على أنظمة الدفع المتطورة هذه في الدول التي لا تتقبل هيمنة الدولار الأمريكي أو تبدي عداءً صريحًا لها.
وتتساءل العديد من الحكومات بالفعل عن جدوى تعزيز هذه الهيمنة في وقت تعيد فيه واشنطن ترتيب أولوياتها.
في ظل سعي إدارة ترامب لتدليل موسكو، يعمل القادة الأوروبيون على وضع خطط لمواجهة ما يسمونه «التجارة المشفرة»، أو ما يرونه مخططات أمريكية لتعزيز نفوذ الدولار على حساب أوروبا. ويعمل البنك المركزي الأوروبي بجد لإطلاق عملته الرقمية الخاصة، والتي من شأنها تعزيز استخدام اليورو عالميًا كبديل للدولار. ويناقش وزراء المالية الأوروبيون حاليًا كيفية تعديل لوائحهم لتسريع إصدار العملات المستقرة المرتبطة باليورو .
خلال ذلك، حظرت الصين استخدام جميع العملات المشفرة داخل أراضيها. ويعمل المسؤولون على تطوير آلية لتسوية المدفوعات الدولية عبر العملات الرقمية للبنوك المركزية، متجاوزين بذلك الدولار تمامًا.
وقد واجه اليوان الرقمي، الذي أطلقته بكين عام 2020، صعوبة في اكتساب قبول محلي، لكن بنك الشعب الصيني يدعم الآن مشروعًا يُسمى «إم بريدج» (mBridge )، والذي من شأنه أن يسمح بإجراء مدفوعات مباشرة بين البنوك الصينية وبنوك في هونج كونج والمملكة العربية السعودية وتايلاند والإمارات العربية المتحدة.
وقد اجتذبت مشاريع مماثلة بالفعل مشاركة من أستراليا وفرنسا وماليزيا وسنغافورة وسويسرا. وتتيح هذه الآليات للمشتري في تايلاند إرسال البات (العملة التايلاندية) وللبائع في المملكة العربية السعودية استلام الريالات دون الحاجة إلى تحويلها إلى دولارات.
يحمل مستقبل العملات المستقرة تشابهات مقلقة مع البدايات الأولى للإنترنت؛ فكما وعد الوصول الفوري إلى المعلومات بتعزيز الانفتاح والاندماج العالمي لكنه أسهم لاحقًا في تعميق الانقسامات، تعد أنظمة الدفع الفوري بكفاءة وشمول مالي غير مسبوقين، لكنها قد تؤدي في المقابل إلى مزيد من تجزئة الأسواق المالية.
ولتفادي هذا المسار، يتعين على الولايات المتحدة تنسيقًا دوليًا واسعًا، عبر طمأنة الدول بأن العملات المستقرة المدعومة بالدولار لن تقوض عملاتها أو استقرارها المالي، وتعزيز التعاون الرقابي لضمان الامتثال الفعّال للقواعد والعقوبات.
ومن دون تطبيق متناسق لهذه القواعد، قد تفشل العملات المستقرة في دعم هيمنة الدولار، بل وقد تُضعف أيضًا التعاون العالمي في إنفاذ العقوبات حتى عبر القنوات المصرفية التقليدية.
