هدم مقر الأونروا لن يمحو حق اللاجئين

04 فبراير 2026
ترجمة: بدر بن خميس الظفري
04 فبراير 2026

لقد كان هدم إسرائيل الأخير لمقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس الشرقية المحتلة حدثًا صادمًا إلى حد كبير، ولم يُناقش بالقدر الذي يستحقه.

ففي اللحظة التي انهار فيها المبنى الذي يضم مقر الوكالة الأممية المعنية باللاجئين الفلسطينيين وصف نائب رئيس بلدية القدس آرييه كينغ موظفي الوكالة بأنهم «نازيون»، وأعلن قائلًا: «بعون الله سنُدمّر وسنُبيد جميع موظفي الأونروا».

هذا الاعتداء الإسرائيلي الفجّ والمتغطرس على شريان حياة أساسي لملايين اللاجئين الفلسطينيين أدانته الأمم المتحدة وعدد كبير من الدول الأوروبية. وبالنسبة إليهم كان مثالًا جديدًا صارخًا على خروج إسرائيل على القانون، أما بالنسبة إليّ فقد كان ضربة في الصميم.

أتذكر جيدًا الزمن الذي سبق وجود الأونروا؛ في عام 1948 أُجبرنا على مغادرة بيتنا في القدس، ولجأنا إلى العاصمة السورية دمشق إلى جانب آلاف اللاجئين الآخرين. كان كثير من الأطفال مذهولين من صدمة التهجير، وأذكر في مدرستي الابتدائية طفلة صغيرة حزينة على وجه الخصوص.

ما زلت أرى صورتها في ذاكرتي جميلة بعيون خضراء لافتة، لكننا كنا نسخر منها؛ لأنها كانت تتعثر وهي تمشي بحذاء عسكري رجالي أكبر بكثير من قدميها الصغيرتين. كنا نضايقها ونبكيها، ولم نكن ندرك آنذاك أن تلك كانت الأحذية الوحيدة التي استطاعت أسرتها الفقيرة توفيرها لها.

حين أستعيد تلك الذكريات أرى حشود الأطفال مثلها في حيّنا بلا دعم ولا ملجأ. كل ذلك تغيّر في عام 1950 عندما بدأت الأونروا عملها. فقد أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام السابق، وكان الهدف منها في البداية تمكين اللاجئين الفلسطينيين من العمل إلى أن تتم إعادتهم إلى ديارهم.

لكن تلك العودة لم تتحقق، وتوسعت الوكالة لتدير شبكة من العيادات الصحية والمدارس ومراكز التدريب. واليوم تضم نحو 30 ألف موظف معظمهم من اللاجئين الفلسطينيين أنفسهم. وكانت خدماتها لا غنى عنها للفلسطينيين قبل 75 عامًا، كما هي اليوم.

إنّ لدى إسرائيل تاريخ طويل من العداء للأونروا، وقد عملت بلا كلل من أجل تفكيكها؛ فبعد أشهر من هجمات 7 أكتوبر 2023 وجّهت تل أبيب ضربة قاتلة للوكالة حين زعمت أن 12 من موظفيها شاركوا في العملية التي قادتها حركة حماس.

وقد فُصل هؤلاء الموظفون لاحقًا، وأوقفت دول غربية كبرى تمويلها للأونروا، ما أثار غضبًا عالميًا واسعًا.

ومنذ بدء الإبادة في غزة قتلت إسرائيل أكثر من 380 من موظفي الأونروا في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية التي تحمي العاملين في المجال الصحي. وفي العام الماضي علّقت إسرائيل عمليات الوكالة في غزة والضفة الغربية المحتلة، وإذا واصلت هذا المسار فإنها تتجه نحو تفكيك الأونروا بالكامل، وحرمان الفلسطينيين من مورد بالغ الأهمية.

ما يقف خلف كراهية إسرائيل العنيدة للأونروا ليس لغزًا؛ فهي الجهة الدولية المحايدة الوحيدة القادرة على تفجير فقاعة الخداع والأكاذيب الإسرائيلية. فمنذ قيام الدولة عام 1948 سعت إسرائيل جاهدة إلى تقديم نفسها عضوًا محترمًا في المجتمع الدولي وجزءًا طبيعيًا من المشهد الشرق أوسطي. وكان عليها أن تُخفي تناقض وجودها في منطقة عربية كاسحة لا تشاركها تاريخًا ولا دينًا ولا لغة ولا ثقافة. وكان هذا الافتقار إلى الجذور الأصيلة شوكة دائمة في خاصرتها.

لسنوات طويلة حاولت الترويج لرواية بديلة تنكر وجود الشعب الفلسطيني الأصلي حتى أنها رفضت اسم «فلسطين» نفسه، واستبدلت التاريخ بالأسطورة والخيال. وقد حققت هذه الجهود بعض النجاح، خصوصًا من خلال استغلال الارتباط بالتقاليد التوراتية المسيحية التي يعرفها كثير من الغربيين، سواء كانوا متدينين أم لا.

كثيرون في الغرب يقرؤون الأدب الإسرائيلي، ويشاهدون الأفلام الإسرائيلية، ويعتقدون أن إسرائيل كانت دائمًا أرض الشعب اليهودي. ويظنون أن الثقافة الإسرائيلية ثقافة أصيلة من دون أن يدركوا على سبيل المثال أن «المطبخ الإسرائيلي» مستنسخ من أطباق عربية تقليدية مثل الحمص والفلافل.

لكن مهما حاولت إسرائيل فلن تستطيع الهروب من الحقيقة التاريخية ما دامت الأونروا قائمة؛ فأرشيفات الأونروا التي جُمعت عبر السنين تشكّل مستودعًا فريدًا للتاريخ الفلسطيني تضم ثلاثين مليون وثيقة تحتوي على ملفات عائلية لخمسة أجيال من اللاجئين منذ عام 1948. إنها سجل لا يقدّر بثمن، وشهادة دائمة على التاريخ الذي عملت إسرائيل بكل جهدها على محوه.

غير أن ما يجعل الأونروا حقًا غير مقبولة في نظر إسرائيل هو أن وجودها كله قائم على حق العودة الفلسطيني؛ فقد أُنشئت لتقديم إغاثة مؤقتة في انتظار العودة، ولم يكن من المفترض أن تستمر إلى الأبد، وإن بدا ذلك كذلك بسبب تعنّت إسرائيل.

إن حق العودة الفلسطيني المكرّس في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي أبسط قواعد العدالة الإنسانية مرتبط ارتباطًا عضويًا بوجود الأونروا. وتتوهم إسرائيل أنها بتدمير الأونروا تستطيع شطب هذا الحق، والهروب من بداياتها المشينة، وتصديق أكاذيبها الخاصة.

غادة كرمي زميلة أبحاث سابقة في معهد الدراسات العربية والإسلامية بجامعة إكستر. وُلدت في القدس، وأُجبرت على مغادرة بيتها مع أسرتها نتيجة قيام إسرائيل عام 1948. انتقلت العائلة إلى إنجلترا حيث نشأت وتعلّمت. عملت كرمي طبيبة لسنوات طويلة متخصصة في صحة المهاجرين واللاجئين. ومن عام 1999 إلى 2001 كانت زميلة مشاركة في المعهد الملكي للشؤون الدولية، حيث قادت مشروعًا كبيرًا حول المصالحة الفلسطينية - الإسرائيلية.

الترجمة عن موقع ميدل إيست آي.