أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه وارش

04 فبراير 2026
04 فبراير 2026

عندما سمّى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كيفن وارش مرشّحه لتولّي رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بعد انتهاء ولاية جيروم باول في مايو، تنفّست الأسواق الصعداء. غير أنّ وارش مقبل على مواجهة تحدّيين رئيسيين في السياسة النقدية، ويبدو أنّه لن ينجح سوى في التعامل مع أحدهما فقط.

التحدّي الأول يتمثّل في الثورة المتسارعة على نحو غير مسبوق في مجال الذكاء الاصطناعي. فهذه الثورة ماضية إلى رفع إنتاجية العمل بشكل ملموس، وفي الوقت نفسه إلى إضعاف الطلب على اليد العاملة، وهي اتجاهات من شأنها، مجتمعةً، أن تفرض ضغوطًا هبوطية على الأجور والأسعار معًا.

وقد بدأت بالفعل شركات كبرى، مثل «أمازون»، في الاستغناء عن العمال، بينما باتت الوظائف المبتدئة أكثر ندرة. ومع أنّ هذه التطورات تطرح تحديات جدّية أمام الاقتصاد، فإنها تتيح في المقابل فرصة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لتوجيهه نحو مسار نمو أعلى، ولخفض التضخم إلى مستواه المستهدف البالغ 2%.

وبالاستناد إلى تصريحاته حتى الآن، يبدو وارش أكثر تأهيلًا من باول للاستجابة بفعالية لثورة الذكاء الاصطناعي. ففي حين يقوم نهج باول في السياسة النقدية، القائم على البيانات، على قراءة الماضي في جوهره، يجادل وارش بأن على الاحتياطي الفيدرالي أن يسعى إلى استباق التحولات الهيكلية في الاقتصاد، تمامًا كما فعل رئيس المجلس الأسبق آلان غرينسبان حين استشرف طفرة الإنتاجية التي أطلقتها ثورة الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي. وهذا يوحي بأن وارش سيدفع باتجاه موقف نقدي لا يعرقل طفرة الإنتاجية المرتقبة بفعل الذكاء الاصطناعي.

غير أنّ المؤسف هو أنّ وارش قد لا يكون بالقدر نفسه من الجاهزية لمواجهة التحدّي الكبير الثاني الذي يُرجّح أن يواجهه بصفته رئيسًا للاحتياطي الفيدرالي: أزمة مالية تنطلق شرارتها من سوق السندات. فإذا كان هناك أمر واحد دأب وارش على انتقاده باستمرار، فهو لجوء الاحتياطي الفيدرالي إلى سياسة التيسير الكمي للتعامل مع الأزمات المالية وتحفيز الاقتصاد. إذ يرى أنّ الميزانية العمومية المتضخّمة للمجلس، والتي تتجاوز اليوم 6.5 تريليون دولار، قد شوّهت الأسواق المالية وشجّعت على التسيّب المالي، من خلال إيصال رسالة مفادها أنّ خلق الأموال بلا حدود أمر مقبول.

يعتقد وارش أنّ تقليص حجم الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي سيسمح بخفض أسعار الفائدة قصيرة الأجل ـ وهو ما دافع عنه ترامب بشراسةـ من دون المساس بهدف التضخم البالغ 2%. غير أنّ ما يتجاهله وارش هو أنّ أي محاولة لتقليص ميزانية الاحتياطي الفيدرالي من شأنها أن تزيد من مخاطر اندلاع أزمة في سوق السندات.

وهذه المخاطر باتت حادّة بالفعل؛ فالحكومة الأمريكية تسجّل اليوم عجزًا سنويًا في الموازنة يقترب من تريليوني دولار (أي أكثر من 6% من الناتج المحلي الإجمالي)، كما يتعيّن عليها إعادة تمويل نحو 9 تريليونات دولار من الديون المستحقّة هذا العام.

وفي الوقت نفسه، يُبدي المستثمرون الأجانب ـ الذين يمتلكون حاليًا سندات خزانة أميركية بقيمة 9.4 تريليون دولار، أي ما يعادل 30% من الإجمالي ـ تردّدًا متزايدًا في تجديد استثماراتهم. فما كان يُنظر إليه سابقًا على أنّه ملاذ آمن، باتت مصداقيته موضع تقويض بفعل سلوك ترامب المتقلّب والصدامي، بما في ذلك تسليحه للأدوات المالية. كما تتصاعد المخاوف من أن تلجأ الولايات المتحدة إلى تضخيم اقتصادها للتخلّص من عبء ديونها الضخمة.

لا تقلّ إشارات الأسواق إثارةً للقلق عن كونها لا يمكن إنكارها؛ فخلال الأشهر الستة الماضية، ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات ـ وهو المؤشر الأهم إلى نحو 4.3%، وذلك رغم قيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض سعر الفائدة الأساسي. وحتى حقيقة أن وزير الخزانة سكوت بيسنت بات يموّل الحكومة في الغالب عند الطرف القصير من منحنى العائد لم تكن كافية لعكس هذا الاتجاه. وفي الأثناء، فقد الدولار أكثر من 10% من قيمته خلال العام الماضي، في حين تضاعفت أسعار الذهب تقريبًا، لتبلغ مستوى قياسيًا يقارب 5.595 دولارًا للأونصة يوم الخميس الماضي.

ومن اللافت أنّ الذهب تراجع بنسبة 10%، بينما ارتفع الدولار ارتفاعًا طفيفًا في اليوم التالي—أي مباشرة بعد الإعلان عن ترشيح وورش. وربما شعرت الأسواق بالارتياح لأن ترامب، على الرغم من هجماته المتواصلة على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي وغضبه من رفض باول خفض سعر الفائدة بشكل حاد، انتهى به المطاف إلى اختيار مرشّح تقليدي.

ويبقى مدى وجاهة ثقة الأسواق مرهونًا إلى حدّ كبير بكيفية تعامل وارش مع تنامي المخاطر في سوق السندات.

فمع تراجع ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد الأمريكي، فإن آخر ما يحتاجه سوق السندات هو أن يزيد الاحتياطي الفيدرالي الضغوط على العوائد طويلة الأجل عبر محاولة تقليص حيازاته من سندات الخزانة.

وعلى الرغم من أنّ كبح جماح الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي يُعد هدفًا مشروعًا على المدى الطويل في السياسة النقدية، فإن التوقيت الراهن ليس مناسبًا للسعي إلى تحقيقه.