الدوام المرن والتحول من رقابة الحضور إلى قياس الإنتاجية
04 فبراير 2026
04 فبراير 2026
نظام الدوام الرسمي في المؤسسات الحكومية غالبًا يعتمد على ساعات ثابتة وهي حضور موظفي الحكومة إلى مقار أعمالهم في توقيت زمني معين مع إكمالهم لسبع ساعات عمل متصلة في اليوم.
بدأ التفكير جديًا بالحاجة إلى تطبيق مفهوم الدوام المرن بعد جائحة كوفيد - 19- لضمان استمرارية تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين والمقيمين. تلك الجائحة أجبرت أغلب المؤسسات الحكومية على تغيير نمط العمل بشكل جذري نتيجة الإغلاق الذي ساعد القطاعات العامة والخاصة في تلك الفترة.
نمط العمل الحكومي التقليدي له ميزاته في تسهيل الرقابة على حضور الموظفين لأماكن أعمالهم، والتأكد من تأدية المهام الموكلة لهم نظير حصولهم على الراتب الشهري.
تلك الرقابة تمثلت في وضع آليات للتأكد من حضورهم، كما كان معمولًا به سابقًا باستخدام التوقيع على سجلات الحضور والانصراف، ثم تطورت الآلية لتتحول إلى البصمة الإلكترونية أو استخدام تطبيقات الأجهزة الذكية. ذلك النمط التقليدي حاول بعض مسؤولي الوحدات الحكومية مقاومته لمدة طويلة من منطلق تعزيز الثقة بين الموظفين، وبناء نمط الرقابة الذاتية لحضور وانصراف الموظفين. ولكن لكي يطمئن المسؤولون الحكوميون بأن الجميع يحضر ويلتزم بأوقات الدوام الرسمي بدأت أغلب المؤسسات الحكومية في تعميم آلية الرقابة الحضورية للموظفين باستخدام التقنية التي تراها مناسبة.
ولكن نظام العمل التقليدي في الرقابة على الموظفين من خلال إلزامية الحضور إلى مقار العمل لا يتفق مع التطورات المتسارعة في أنظمة الموارد البشرية والتحول نحو الحكومات الإلكترونية. كما أن أغلب الخدمات الورقية التي كانت سائدة في بيئة العمل الحكومي أصبحت أغلبها إلكترونية؛ بحيث يستطيع الموظف أو المسؤول تتبع الإنجاز اليومي أو الشهري عن طريق التطبيقات الذكية.
ونعطي مثالا لذلك: نظام إدارة المستندات والوثائق الإلكترونية (وصول) الذي طبق في أغلب المؤسسات الحكومية؛ فقد أصبحت جميع المراسلات والمخاطبات والقرارات الداخلية التي تصدرها المؤسسات الحكومية من بداية إنشاء الوثيقة إلى تداولها داخل الوحدة الحكومية أو خارجها تتم إلكترونيا. ولا تستدعي التنقل المعتاد لتلك الوثائق والمراسلات من قسم إلى آخر داخل الوحدة الحكومية أو خارجها.
نظام الدوام المرن هدفه إتاحة المجال للمؤسسات الحكومية بتحديد أوقات زمنية لبداية ونهاية الدوام الرسمي لذهاب الموظفين لمقار عملهم دون التقيد بفترات الدوام الرسمية التي أغلبها تبدأ من الساعة السابعة والنصف إلى الثانية والنصف ظهرًا.
كما أن الدوام المرن قد يأخذ أنماطًا متعددة سواء بتعديل التوقيت الزمني، أو تحديد أيام معينة يمارس الموظفون عملهم «عن بُعد»، أو بنظام العمل الهجين والذي يجمع بين العمل في المكتب والمنزل.
تلك الأنماط تعطي مرونة في إنجاز الأعمال الموكلة للموظف أو المسؤول الحكومي في أي وقت ومن أي مكان طالما لا يؤثر ذلك على جودة وإنتاجية الموظفين والتوقيت الزمني المطلوب لإنجاز الأعمال، أو ممارسة الاختصاصات الوظيفية.
وإن كانت أغلب التشريعات المتعلقة بالموارد البشرية تنص بأن الأصل في تأدية الأعمال هو النمط التقليدي، وهو الحضور لمقر العمل، ولكن في المقابل تلك النصوص ليست مطلقة، بل يمكن إخضاعها للمراجعة التشريعية كما هو حاصل في قانون العمل الذي أعطى مرونة للعاملين بشركات القطاع الخاص في استخدام تقنية المعلومات والاتصالات لتأدية أعمالهم اليومية دون الحاجة للذهاب لمقر العمل.
وهناك من الشركات من طبق نمط العمل المرن أو الهجين، وذلك بمنح مرونة للعاملين اختيار يوم في الأسبوع ليكون دواما مرنا أو عن بُعد.
تلك الشركات على الرغم بأنها تهدف للربح، ولكن تنظر إلى الإنتاجية في العمل أكثر من اهتمامها بمتابعة ومراقبة حضور وانصراف العاملين.
في القطاع الحكومي هناك توجيهات سامية قبل أربعة أعوام تقريبا تحث المؤسسات الحكومية على تطبيق نظام العمل المرن مع منح المؤسسات اختيار بداية ونهاية أوقات العمل الرسمية شريطة الالتزام بإنجاز ساعات العمل اليومية أو الأسبوعية. وقامت الوحدات الحكومية بتعديل أوقات الدوام الرسمي خلال شهر رمضان المبارك تنفيذًا لتلك التوجيهات.
أنظمة العمل تطورت خلال السنوات الماضية، وأصبحت حتى الاجتماعات تتم باستخدام التطبيقات الإلكترونية المخصصة لذلك مما يساعد على عدم الحاجة للحضور إلى مكاتب العمل.
هذه التقنيات المتسارعة قد لا تلغي النمط التقليدي في حضور الموظفين لمقار عملهم بشكل كامل، ولكن ذلك الحضور لا يحتاج أن يكون خلال توقيت زمني معين للجميع، ويتم مراقبته بالساعات والدقائق، وإنما يكون حسب الحاجة، وبما تقتضيه مصلحة العمل. هناك دوائر إدارية من الممكن تنفيذ أعمالها عن طريق الدوام المرن ومنها: دوائر الموارد البشرية والمالية، والمشتريات، وتقنية المعلومات، والتخطيط، وضمان الجودة.
تلك الدوائر تستطيع تطبيق نظام الدوام المرن بنسبة لا تقل عن (60 %) دون أدنى تأثير على الجودة ومستوى الإنتاجية، ويعود السبب إلى اعتمادها على الأنظمة التقنية أكثر من الحاجة إلى الحضور إلى مقار العمل.
أحد الباحثين عن فرصة عمل بإحدى المؤسسات بدول الخليج العربية قام باستكمال إجراءات التنافس على الوظيفة المطروحة من بداية تقييم مستندات السيرة الذاتية وعمل الامتحانات والمقابلات الشخصية، وحتى التوقيع على عقد العمل. جميع تلك الإجراءات تمت عن بُعد- أحد أنماط الدوام المرن - دون الحاجة للسفر والحضور الشخصي للجهة المعلنة عن الوظيفة.
كما أن منظومة قياس الأداء الفردي - إجادة - من خلال الأهداف والنتائج الرئيسة يمكن استخدامها كأحد الممكنات التي من خلالها يتم التأكد من قيام الموظفين من تنفيذ المهام الموكلة لهم.
المنظومة من خلال تحديد الأهداف والنتائج الرئيسة التي يتطلب إنجازها خلال مدة زمنية معينة؛ فهي تركز على قياس الإنتاجية أكثر من تركيزها على الحضور والانصراف.
كما أن بعض المؤسسات الحكومية لا تقوم بتضمين الحضور والانصراف في قائمة الأهداف أو النتائج الرئيسة؛ حيث إنها ضوابط يجب على الموظفين الالتزام بها، والأهم هو متابعة رفع معدلات الإنتاجية من خلال التنفيذ الفعلي للأهداف التي يضعها الموظفون، والتي هي انعكاس للخطط التشغيلية للوحدة الحكومية.
أيضا من ميزات الدوام المرن زيادة معدل الرضا الوظيفي، وزيادة ساعات بقاء المرأة العاملة في بيتها مع أفراد الأسرة. كما أن الدوام المرن يقلل من معدلات الإرهاق والتوتر الناجمة من قيادة السيارة لمدة طويلة وبشكل يومي وخاصة في أوقات ذروة الازدحام المروري. كما يُسهم في خفض مستوى التلوث البيئي الناجم عن عوادم السيارات التي هي في تزايد مستمر.
أيضا فإنه يعمل على تخفيض التكاليف التشغيلية التي تتطلبها بيئة العمل في تلبية احتياجات الموظفين المستمرة ومنها توفير وصيانة المكاتب والأثاث ومواقف السيارات.
هناك تطبيق لنظام الدوام المرن في بعض دول العالم؛ ففي ألمانيا فإن القوانين تعطي الحق في تخصيص ساعات عمل مرنة للموظفين مع الاهتمام بالنتائج أكثر من حضورهم لمقر عملهم. في نيوزيلندا تشير الدراسات إلى أن تطبيق بعض الشركات لنظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع - نموذج للدوام المرن - أدى إلى زيادة الإنتاجية في العمل. أما في المملكة المتحدة فقد سمحت القوانين منذ سنوات طويلة الحق للعامل أن يتقدم بطلب العمل عن بُعد أو نظام العمل الهجين.
ختاما؛ فإن بعض الدراسات تشير إلى أن بيئة العمل المرنة تعمل على رفع معدل الإنتاجية بنسب تصل بين (10 و 25 %).
عليه فإن التوسع في الدوام المرن في المؤسسات الحكومية في سلطنة عُمان له فوائد كثيرة من الناحية الإنتاجية والاقتصادية والاجتماعية، ورفع مستوى جودة استخدام الموظفين للأنظمة والتطبيقات الإلكترونية للتواصل مع الوحدات التي يعملون بها. الدوام المرن أو عن بُعد يعزز من ثقافة التحول الرقمي؛ بحيث يكون موظفو المؤسسات الحكومية على أتم الاستعداد للتحول السريع من الدوام الحضوري إلى الدوام المرن في حال الظروف الاستثنائية الأمر الذي من شأنه زيادة معدل الإنتاجية في العمل.
