من أجل حماية التراث الإنساني
إذا كان سؤال حماية المدنيين أحد أهم الأسئلة التي تطرح خلال الحروب والنزاعات الدامية، وهذا طبيعي على اعتبار أن الإنسان أسمى الكائنات على هذه الأرض، إلا أن هناك أسئلة ملحة تطرح في الوقت نفسه، وهي مرتبطة بالإنسان وبمنتجه الحضاري والثقافي، وفي مقدمتها سؤال حماية التراث الثقافي للإنسان وما راكمه على مر التاريخ من منجزات رافقت تطوره الفكري والمعرفي.
ولذلك يقلق هذا السؤال الجميع الآن.. كيف يمكن أن نحمي هذا التراث الثقافي الذي أنجزه الإنسان على مرّ التاريخ، من الإنسان نفسه في لحظة صراعه مع بني جنسه؟ وهذا السؤال/ القلق ليس وليد الصراعات الإنسانية في العصر الحديث بل كان مرافقا لكل الصراعات البشرية منذ بدء الخليقة.. ويمكن أن نتذكر هنا حجم الكارثة التي لحقت بكتب العرب التي تقول الروايات إن المغول رموها في النهر وعبروا فوقها لحظة سقوط بغداد سنة 1258م.
وبقيت مثل هذه الكوارث تتكرر في كل الصراعات والنزاعات المسلحة، وخسرت البشرية الكثير والكثير من تراثها وثقافتها، حتى في هذا العصر الذي يعرف فيه الإنسان أهمية المنجز التراثي والحضاري المتراكم منذ بدء البشرية على هذه الأرض.
ورغم أن الإنسان هو سبب كل ذلك إلا أنه كان يشعر بحجم المأساة التي يتسبب فيها، وبأهمية حماية التراث الثقافي خاصة في لحظات السلم والهدوء والسكينة. وشكل العالم مؤسسة التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع وبدأت تعقد مؤتمرات للمانحين خاصة من الدول التي تعرف قيمة التراث الإنساني وتقدره. وكانت سلطنة عمان على الدوام من الدول التي تدعم حماية التراث الثقافي واستدامته وتدعو إليه بل وتنبه دول العالم إلى خطورته، وقد بذلت خلال السنوات الماضية الكثير من الجهود من أجل حماية ذلك التراث في مناطق النزاع، وآخر ما يمكن أن يذكر هنا ما قام به المتحف الوطني من إعادة ترميم وتأهيل الكثير من القطع التراثية النادرة التي تعرضت للتخريب خلال الحرب في سوريا.
وكانت مشاركة السلطنة في مؤتمر المانحين الثاني للتحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع الذي أقيم بمتحف اللوفر في العاصمة الفرنسية باريس تجسيدا لذلك الحرص ولذلك الاهتمام المستمر.
ولا تقتصر قضية حماية التراث في مناطق النزاع على فكرة التدمير المتعمد أو العرضي للتراث ولكن الفكرة تتسع لتشمل حماية هذا التراث من الإتجار غير المشروع به. ومعلوم أن هناك حروبا تقوم على فكرة القضاء على الأركان الثقافية للطرف الآخر وتجريف منتجه الحضاري أو سرقته ليبقى عاريا من التاريخ.
وتحتاج هذه القضية أن تصدر بشأنها تشريعات مدعومة بالإرادة السياسة الدولية وإلا سيجد الإنسان مع الوقت أن تراثه قد ضاع وذهب مع ما يذهب في الحروب والنزاعات المسلحة.
