فلسطين.. وقيم الغرب ومبادئه المزدوجة
ليست هذه المرة الأولى التي تستطيع فيها «فلسطين المحتلة» فضح قيم ومبادئ «الغرب الليبرالي» الذي يتشدق بحقوق الإنسان والعدالة والمساواة والحرية، فكثيرا ما تكسرت كل هذه الشعارات على أعتاب فلسطين خلال العقود الماضية، وفي الحقيقة على أعتاب كل الدول غير الغربية، حيث يعمل الغرب بمعايير مزدوجة وانتقائية في التعامل مع مبادئ الحقوق الإنسانية والعدالة والحرية، وكأنه وحده من يستحق المعاملة بوصفه إنسانا أوجبت له القوانين حقوقا وكرامة وحق العيش الآمن في وطنه، فيما الآخر مسحوق لا حقوق له ولا كرامة.
ليست هذه المرة الأولى إذا، ولكنّ السقوط هذه المرة مدوٍ أكثر من أي وقت آخر؛ فالدول الغربية (أمريكا وأوروبا) في أوج دفاعها عن قيم العدالة وحقوق الإنسان وحق الدفاع عن النفس وحرية الرأي في سياق دفاعها عن أوكرانيا ضد الغزو الروسي، وقد جندت في سبيل ذلك كل إمكانياتها العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والدعائية، واستخدمت كل ما يمكنها استخدامه من أجل «محاربة» روسيا، ومن أجل الدفاع عن هيمنتها (أي الدول الغربية) وعن نظامها الذي لا تريد له السقوط، لكنها تقف متفرجة وصامتة ضد ما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي في القدس الشريف، سواء عبر استفزاز المشاعر الدينية للفلسطينيين باقتحام المسجد الأقصى والحرم القدسي في هذه الأيام من شهر رمضان المبارك أو عبر الاعتداء على المصلين والمعتكفين في المسجد والاستخدام المفرط للقوة ضدهم وضد الإعلاميين الذين يوثقون الجرائم التي ترتكب.
إن الغرب الذي دخل اليوم في مرحلة الدفاع عن نظامه العالمي القائم يخسر كثيرا باستخدامه المعايير المزدوجة في تعامله مع قضايا حقوق الإنسان والعدالة والمساواة وإرهاب الدول، بل إنه يقوض ما بقي من ثقة في هذا النظام الذي يقول الغرب إنه قائم على مبدأ «الديمقراطية الليبرالية»، ويعطي من يخرج عليه شرعية ودافعا حقيقيا، كما يقوض الثقة في مؤسساته التي تعمل هي الأخرى بنفس المعايير المزدوجة.
كما أنه يعطي نظاما محتلا مثل النظام الإسرائيلي الضوء الأخضر لارتكاب جرائم في حق الإنسانية؛ لأنها تعرف أنها فوق قوانين النظام العالمي «الغربي» وفوق مؤسساته. وهذا الظلم والتعامل المزدوج مع الإنسان هو الذي يصنع بذور التطرف والإرهاب في العالم والذي يعاني منه الغرب كما يعاني منه غيره.
على المجتمع الدولي أن ينظر إلى القضية الفلسطينية بالمعايير نفسها التي ينظر بها لأي احتلال أو اعتداء في العالم وأن يطبق العدالة والقانون نفسيهما من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين لتحقيق السلام واستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وإلا فإن النظام العالمي سيتحطم على وقع المقاومة الفلسطينية التي تقرها الأنظمة والشرائع ويقرها «النظام العالمي» نفسه كما هو الحال الآن في أوكرانيا على سبيل المثال الأقرب.
