هل الصين في طريقها لتربع عرش العالمية؟
يرى كثير من المحللين ان الصين، اصبحت قاب قوسين او ادنى من الجلوس على عرش القوة العظمى في العالم، الذي كان ولازال حصرا للولايات المتحدة الامريكية التي تربعت عليه عقودا من الزمن، ويظهر ذلك جليا بعد تراجع الاخيرة واضمحلال مواقفها وسياساتها في الكثير الملفات الساخنة، والمؤشرت كثيرة في هذا السياق، وكان آخرها الانسحاب الامريكي من افغانستان، وعودة طالبان الى الحكم، الذي فتح سيلا من الاسئلة حول "قرب نهاية القوة الامريكية العالمية".
في المقابل، رشحت الكثير من المقالات والتحليلات حول ان التنين الصيني هو الاخر، في طريق الى الاضمحلال والركود، وان هناك الكثير من المؤشرات والشواهد على بداية أفول نجم الصين خلال السنوات القادمة، ففي تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"،
أعده "مايكل بكلي"، أستاذ العلوم السياسية المساعد في جامعة "تافتس"، و"هال براندز"، أستاذ كرسي هنري كسينغر للشؤون العامة بكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة "جونز هوبكنز" - ترجمة الجزيرة نت -، بعنوان (الركود العظيم.. هل بدأت قوة الصين بالأفول؟)، حيث ناقش الاستاذين الجامعيين المؤشرات على بداية هذا الركود.
وجاء في التحليل، "لقد كانت الرياح مواتية لصعود الصين طيلة عقود، أما الآن فقد انعكست هذه الرياح بما لا تشتهيه الصين، إذ تخفي الحكومة الصينية ركودا اقتصاديا خطيرا، وتنزلق عائدة إلى نظام شمولي هش، علاوة على ما تعانيه البلاد من ندرة حادة في الموارد، وما تواجهه من انخفاض في عدد السكان، وهو الانحدار الديمغرافي الأسوأ من نوعه في التاريخ (في أوقات السلم). وأخيرا، وليس آخرا، تخسر الصين تدريجيا اليوم صلاتها بالعالم الذي رحب بها يوما ومكنها من التقدم".
ويضيف التحليل، "شارفت الصين على نفاد مواردها، إذ اختفت نصف أنهارها، وتسبب التلوث في جعل 60% من مياهها الجوفية "غير صالحة لاستهلاك البشر"، بحسب اعتراف الحكومة نفسها. بالإضافة إلى ذلك، تشهد البلاد تدهورا في الأمن الغذائي بعدما دمّرت 40% من أراضيها الزراعية بسبب الاستخدام المفرط، وباتت اليوم أكبر مستورد للمنتجات الزراعية في العالم. ونتيجة جزئية لندرة الموارد، ارتفعت تكلفة النمو ارتفاعا كبيرا، وبات على الصين استثمار ثلاثة أمثال رأس المال الذي استثمرته سابقا لخلق نمو مماثل لما أنجزته مطلع القرن الحالي... ستفقد الصين 105 مليون عامل إضافي بين عامي 2035 و2050، وسيزداد بالتزامن عدد المسنين بحوالي 64 مليون آخرين. ستكون العواقب الاقتصادية وخيمة".
ويشير التحليل، الى ان "التركيبة السكانية الصينية تقف على أعتاب الانكماش، ويعود الفضل في ذلك إلى إرث سياسة الطفل الواحد... ستفقد الصين ما يصل إلى 70 مليون بالغ في سن العمل بين عامَيْ 2020-2035، وسيرتفع لديها بالتزامن عدد المُسِنين بنحو 130 مليون مواطن مسن. ويناظر ذلك فقدان عمال ودافعي ضرائب يُكافئ تعدادهم الشعب الفرنسي، مع زيادة أصحاب معاشات ومتقاعدين يكافئ تعدادهم الشعب الياباني. ثم ستفقد الصين 105 مليون عامل إضافي بين عامي 2035-2050، وسيزداد بالتزامن عدد المسنين بنحو 64 مليونا آخرين. ستكون العواقب الاقتصادية وخيمة، وتُرجح الإحصاءات الحالية أن معدل "الإنفاق بحسب العمر" من جانب الحكومة يجب أن يرتفع إلى ثلاثة أمثاله بحلول عام 2050، أي من 10% إلى 30% من الناتج المحلي الإجمالي. وتجدر الإشارة هُنا إلى أن إجمالي إنفاق الحكومة الصينية كاملا اليوم يبلغ 30% من قيمة الناتج المحلي الإجمالي".
ركود النمو
ويشير الاستاذان الجامعيان، الى ان الصين تواجه حاليا نزعتين هما، ركود النمو، والتطويق الإستراتيجي، وهما يكتبان نهاية صعودها، "فبسبب مشكلات الاقتصاد الصيني المتراكمة، دخل مؤخرا أطول تباطؤ شهده عصر ما بعد ماو، إذ انخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الرسمي من 15% عام 2007 إلى 6% عام 2019، ثمَّ جاءت الجائحة لتهبط بالنمو إلى ما يزيد بقليل عن 2% عام 2020. أما الإنتاجية، المُكوِّن الأساسي لصناعة الثروة، فانخفضت بنسبة 10% بين عامي 2010-2019، وهو أسوأ هبوط للإنتاجية تشهده قوة عظمى منذ الاتحاد السوفيتي في الثمانينيات.
وتظهر المؤشرات على هذا النمو غير المثمر في كل شيء. تضم الصين أكثر من 50 مدينة أشباح، وهي مراكز عمرانية كاملة بالطرق والمنازل لكن لا يسكنها بشر. ولن تعوض نحو ثلثي مشروعات البنية التحتية الصينية تكاليف إنشائها على الإطلاق؛ ما سينتج عنه ديون خارجة عن السيطرة، هذا وقفز الدين الإجمالي الصيني بثمانية أمثاله بين عامي 2008-2019. إننا نعرف نهاية مثل هذه القصص: فقاعات استثمارية ينتج عنها ركود طويل، ففي اليابان، نتج عن الإقراض المفرط ثلاثة عقود من النمو شبه المنعدم، وتسبب الأمر نفسه في الولايات المتحدة بالركود الاقتصادي الكبير (بين عامي 2007-2009 بالتزامن مع الأزمة المالية العالمية). ولعل المشكلات التي تشهدها شركة التطوير العقاري الصينية "إيفرغراند" ذات الديون الهائلة بمنزلة مؤشر لما هو آت".
التطويق الاستراتيجي
يرى الاستاذان بكلي وبراندز، انه "لطالما تجنبت الصين أثناء صعودها طيلة 40 عاما تقريبا تطويقها إستراتيجيا عن طريق التقليل من شأن طموحاتها العالمية، والحفاظ على علاقات ودية مع الولايات المتحدة. لكن هذه المرحلة انتهت منذ أصبحت بكين أكثر عدوانية في بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان. وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، تخلت الولايات المتحدة عن التفاعل البناء وانتهجت سياسة احتواء جديدة. فقد أجرت واشنطن توسعة بحرية وصاروخية هي الأكبر في 30 عاما، وفرضت رسوما جمركية هي الأعنف منذ الحرب العالمية الثانية، وطبقت أشد قيود عرفتها منذ الحرب الباردة على الاستثمار الأجنبي، وجميعها إجراءات موجهة ضد بكين. هذا واشتكى نائب وزير الخارجية الصيني هذا العام من "حملة حكومية وشعبية هدفها تركيع الصين".
يصب تحول الموقف الأمريكي تجاه الصين لصالح كفة رد الفعل المتنامي على نطاق أوسع ضد قوة بكين. ففي شمال شرق آسيا، باتت تايوان أكثر عزما من أي وقت مضى على حماية استقلالها الفعلي، ووافقت الحكومة التايوانية على إستراتيجية دفاعية حازمة جديدة بوسعها أن تجعل الجزيرة شبه عصية على الغزو، كما وافقت اليابان على التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة لدرء أي عدوان صيني على المنطقة... بدأت بلاد بحر الصين الجنوبي أيضا في التحوط ضد الصين. فقد حصلت فيتنام على صواريخ ساحلية متحركة، وغواصات هجوم روسية، وطائرات مقاتلة جديدة، وسفن مسلحة بصواريخ "كروز" المتطورة، وغدت سنغافورة بهدوء شريكا مهما للولايات المتحدة، ورفعت إندونيسيا إنفاقها على الدفاع بنسبة 20% عام 2020، وبنسبة 21% أخرى عام 2021، وحتى الفلبين، التي توددت إلى الصين في معظم سنوات رئاسة رودريغو دوترتي، عادت الآن لتؤكد حقوقها في بحر الصين الجنوبي، وتكثف من دورياتها الجوية والبحرية".
ويكمل التحليل، "أينما تضغط بكين، فإنها تجد ضغطا مضادا من فريق متزايد من الخصوم. فقد ظهر الحوار الأمني الرباعي -يضم أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة- بوصفه محورا للتعاون المناهض للصين بين أقوى الديمقراطيات في منطقة الهندي-الهادئ، ووحد تحالف "أوكوس" (أستراليا-بريطانيا-أمريكا) الناشئ أبرز قوى العالم الناطق بالإنجليزية ضد بكين. بالتأكيد يظل التعاون المناهض للصين قيد التنفيذ ولم تتبلور ملامحه بعد، لأن دولا عديدة لا تزال معتمدة على التجارة مع بكين، غير أن هذه الشراكات المتشابكة قد تكون في النهاية سيفا مسلطا على رقبة الصين".
أمور لا تحمد عقباها
وينتهي التحليل بالقول، "تعد الصين قوة أتمت صعودها بالفعل، لا قوة صاعدة، فقد اكتسبت إمكانيات جيوسياسية هائلة، لكن أجمل أيامها ولت بالفعل. وتلك التفرقة مهمة هنا، لأن الصين خططت لتحقيق طموحات لا سقف لها، ولعلها لن تستطيع تحقيقها الآن دون أن تسلك سلوكا حادا. يهدف الحزب الشيوعي إلى استعادة بلاده لتايوان، وبسط هيمنتها على غرب المحيط الهادئ، ونشر نفوذها في شتى أنحاء العالم، كما أعلن شي أن الصين تسعى إلى "مستقبل تظفر فيه بالمبادرة وتتبوأ موقعا مهيمنا". بيد أن ذاك الحلم بدأ يتلاشى، تزامنا مع تباطؤ النمو ووقوف الصين وجها لوجه أمام قوى عالمية تناصبها عداء أشد... ويعتقد مراقبون كثر أن الصين تلقي بثقلها كاملا اليوم لأنها تثق تماما بانحدارها المستمر. ويبدو بلا شك أن شي يعتقد أن جائحة كوفيد وعدم الاستقرار السياسي في الولايات المتحدة قد خلقا احتمالات جديدة للصين كي تتقدم. بيد أن الاحتمال الأرجح -والمخيف أكثر- هو أن قادة الصين عازمون على التحرك سريعا لأن الوقت ليس في صالحهم. ماذا يحدث حينما يرى بلد ما، في خضم سعيه لإعادة ترتيب العالم، احتمالية عدم قدرته على تحقيق ذلك سلميا؟ الإجابة التي يرجحها لنا التاريخ، وسلوك الصين الحالي: أمور لا تحمد عقباها".
