العرب والعالم

«هجوم إرهابي» أم «صراع على السلطة».. ماذا حدث في كازاخستان؟!

13 يناير 2022
13 يناير 2022

عمان - وكالات

أحداث متسارعة واضطرابات دامية شهدتها كازاخستان الأسبوع الماضي، حيث خرجت تظاهرات عارمة في مدن عدة بسبب رفع الحكومة لسعر الغاز، تخلخلتها أعمال تخريبية واقتحامات لمبانٍ حكومية، أوقعت عشرات القتلى ومئات الجرحى، وأفضت إلى نشر قوات عسكرية إقليمية بقيادة روسيا. الرئيس الكازاخستاني قاسم جومرت توكاييف، أكد أن بلاده تتعرض لهجوم إرهابي ومحاولة انقلاب، متهما سلفه نور سلطان نزارباييف، بالمساهمة في نشوء «طبقة ثرية» هيمنة على البلد.

ماذا حدث؟

في الثاني من يناير، خرج متظاهرون غاضبون بعد ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال إلى الشوارع في جاناوزين (منطقة مانغيستاو في غرب البلاد). ثم بدأت التظاهرات، وهي نادرة في هذا البلد الواقع في آسيا الوسطى، وامتدت إلى مدينة أكتاو الإقليمية الكبرى، على ضفاف بحر قزوين.

وفي الرابع من يناير، حض الرئيس قاسم جومرت توكاييف الذي يتولى السلطة منذ عام 2019، السكان على «اليقظة» و«عدم الرضوخ للاستفزازات».

وفي المساء، أعلنت السلطات خفض سعر الغاز لكن ذلك لم يساهم في تهدئة الشارع. حيث جمعت تظاهرة آلاف الأشخاص في ألماتي، عاصمة كازاخستان الاقتصادية، ورددت شعارات منها «نريد استقالة الحكومة!» و«ارحل أيها الرجل العجوز!» في إشارة إلى الرئيس السابق نور سلطان نزاربايف، الذي يعد موجّه رئيس البلاد الحالي وما زال تأثيره كبيرا.

وأعلن الرئيس حالة الطوارئ في ألماتي وفي مقاطعة مانغيستاو وكذلك في العاصمة نور سلطان اعتبارا من اليوم التالي، مع فرض حظر تجول ليلي.

كذلك، لم يعد هناك إمكان للوصول إلى تطبيقات المراسلة «واتساب» و«تلغرام» و«سيغنال» في المساء.

وفي الخامس من يناير، أقال رئيس البلاد الحكومة. وأعلنت الشرطة أن أكثر من 200 شخص أوقفوا بعد الاحتجاجات الليلية. وأصيب نحو مائة شرطي. وفي اليوم ذاته، اقتحم آلاف المتظاهرين مبنى بلدية ألماتي، رغم إلقاء الشرطة قنابل صوتية وغازا مسيلا للدموع.

ثم توجّه المتظاهرون نحو المقر الرئاسي في المدينة حيث أضرموا النار، تماما كما فعلوا في مبنى البلدية، وسيطروا لفترة وجيزة على المطار.

وتعهد الرئيس ردا «حازما» على التظاهرات وأعلن أنه سيتولى رئاسة مجلس الأمن النافذ الذي كان يتولاه حتى ذلك الحين سلفه. وحُظّر الاتصال بالإنترنت والاتصالات الهاتفية.

ودعت روسيا إلى حل الأزمة عبر «الحوار» وليس عبر «أعمال شغب». كذلك، دعت واشنطن والاتحاد الأوروبي السلطات إلى ضبط النفس.

وفي اليوم نفسه، مددت حالة الطوارئ لتشمل كل البلاد فيما تحولت الاحتجاجات إلى أعمال شغب، وطلب الرئيس المساعدة من موسكو وحلفائها، ونسب أعمال الشغب إلى «إرهابيين» تدربوا في الخارج.

وفي السادس من يناير، أعلنت موسكو وحلفاؤها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي إرسال «قوة جماعية لحفظ السلام» مهمتها «حماية المنشآت الحكومية والعسكرية المهمة ومساعدة قوات حفظ النظام... على إعادة الاستقرار».

وفي اليوم ذاته، قالت الشرطة التي أطلقت «عملية لمكافحة الإرهاب» في ألماتي، إنها قتلت «عشرات» المتظاهرين الذين كانوا يحاولون السيطرة على مبان إدارية ومراكز تابعة للشرطة.

وفي محاولة جديدة لتهدئة الشارع، أمرت الحكومة بتحديد سقف لأسعار الوقود لمدة ستة أشهر. وعبّرت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي عن قلقها.

وفي 7 يناير، سمح الرئيس قاسم جومرت توكاييف لقوات الأمن بـ«إطلاق النار بهدف القتل» لوضع حد لأعمال الشغب، رافضا أي إمكان للتفاوض مع المحتجين.

وفي اليوم التالي، أعلنت لجنة الأمن الوطنية توقيف مديرها السابق كريم كاجيمكانولي ماسيموف بتهمة «الخيانة العظمى». وكان قد أقيل بالفعل بعد أعمال الشغب.

وكريم كاجيمكانولي ماسيموف هو رئيس وزراء سابق وحليف الرئيس السابق نور سلطان نزارباييف.

وأجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الكازاخستاني محادثة هاتفية «طويلة» وناقشا إعادة النظام في كازاخستان.

وفي 9 يناير، أعلنت السلطات توقيف حوالى 6 آلاف شخص على صلة بأعمال الشغب «بينهم عدد كبير من الأجانب».

وأشارت وسائل إعلام نقلا عن وزارة الصحة إلى أن ما لا يقل عن 164 شخصا قتلوا خلال أعمال الشغب، بينهم 103 في ألماتي. ونهبت أكثر من 100 شركة ومصرف ودمرت أكثر من 400 سيارة، بحسب وزارة الداخلية.

وقالت الرئاسة إن «الوضع أصبح مستقرا» حتى لو كانت القوات الأمنية ما زالت تقوم بعمليات «تطهير». وفي إشارة إلى عودة خجولة للحياة الطبيعية، أعادت متاجر كبرى في ألماتي فتح أبوابها.

«محاولة انقلاب»

واتهم رئيس كازاخستان «مقاتلين» أجانب قدموا من دول أخرى في آسيا الوسطى وأفغانستان والشرق الأوسط بالمشاركة في أعمال الشغب الأخيرة التي وصفها بانها «هجوم إرهابي».

واعتبر توكاييف أن «مجموعات من المقاتلين المسلحين» استغلت الحركة الغاضبة على خلفية ارتفاع أسعار الوقود لتنفيذ مخططاتها.

واعتبر الرئيس أن بلاده تعرضت لاستهداف من قبل «مجموعات من المقاتلين المسلحين» استغلت الحركة الاحتجاجية على رفع أسعار المحروقات و«ظهر هدفها الرئيسي بوضوح.. كانت محاولة انقلاب».

وقال قاسم جومرت توكاييف في بيان صدر عن مكتبه ملخصا محادثته مع رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال: «ليس لدي شك في أنه هجوم إرهابي، عمل منظم ومعد له بشكل جيد ضد كازاخستان بمشاركة مقاتلين أجانب من دول آسيا الوسطى بينها أفغانستان. لقد شارك أيضا مقاتلون من الشرق الأوسط».

وأشار إلى أن «الخسائر الاقتصادية التي لحقت بالدولة يمكن أن تصل إلى ملياري أو ثلاثة مليارات دولار».

من جهته، اعتبر فلاديمير بوتين أن كازاخستان كانت ضحية «إرهاب دولي» مؤكداً أن هذه «العصابات المسلحة» تمتلك «خبرة قتالية واضحة» وتم تدريبها في «مراكز في الخارج».

وحذر بعد ذلك من أن روسيا لن تسمح «بثورات ملونة» في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة، وهي عبارة تتكرر لوصف الثورات التي يعتبر الكرملين أن الغرب خطط لها في جمهوريات سوفياتية سابقة.

«أُنجزت بنجاح»

وأكد توكاييف أن القوات العسكرية التي انتشرت في البلاد عقب الاضطرابات ستبدأ المغادرة هذا الأسبوع، حيث أرسلت منظمة معاهدة الأمن الجماعي» التي تضم ست دول، وهي كازاخستان وأرمينيا وبيلاروسيا وقرغيزستان وطاجيكستان، إلى جانب روسيا، قوة متعددة الجنسيات وقوامها 2000 عنصر إلى كازاخستان في ذروة الأزمة الأسبوع الماضي.

والثلاثاء قال توكاييف إن «المهمة الرئيسية للقوات التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي أُنجزت بنجاح»، وأضاف «في غضون يومين سيبدأ انسحاب تدريجي للقوة المشتركة التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي. ولن تستغرق عملية انسحاب الكتيبة أكثر من عشرة أيام».

وجاءت تصريحاته أمام الحكومة والبرلمان في مؤتمر عبر الفيديو.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد الاثنين أن القوات ستكون في كازاخستان «لفترة محدودة».

من جهته، حذر وزير الخارجية الأمريكي من أن إخراج القوات الروسية سيكون «أمرا بالغ الصعوبة». واعتبرت موسكو هذه التصريحات «فظة».

«ارحل أيّها العجوز!»

عندما اقتحم مئات المتظاهرين الغاضبين المسلّحين بالعصي الأسبوع الماضي مبنى بلدية ألماتي عاصمة كازاخستان الاقتصادية، كان شعار يطغى على الهتافات الأخرى وهو شعار «ارحل أيّها العجوز!»

لم يقصد المحتجّون بذلك لرئيس الحالي للبلاد قاسم جومارت توكاييف (68 عامًا)، بل سلفه نور سلطان نزارباييف (81 عامًا) الذي حكم كازاخستان بقبضة حديد منذ الاستقلال عام 1989 وحتى العام 2019.

وحافظ الرئيس السابق على نفوذه إلى اليوم حتى بعد تنحّيه من السلطة في أكبر دولة في آسيا الوسطى والبالغ عدد سكانها نحو 19 مليون شخص.

وفيما يحاول أن يعكس صورة الرجل الحكيم والمعتدل، يتّهمه متظاهرون بأنه زاد من ثرواته ومن ثروات محيطه على حساب الشعب الذي يواجه صعوبات اقتصادية متزايدة.

وتقول المتظاهرة سول (58 عامًا) لوكالة فرانس برس في ألماتي قرب المقرّ الرئاسي الذي أضرم فيه المتظاهرون النار «تحوّلت كازاخستان الخاصّة بنا إلى شركة خاصة لعائلة نزارباييف».

أمّا يرميك علي مبايف، وهو ستّيني يسكن ألماتي، فيعتبر أن «كان على نزارباييف أن يترك (السياسة) قبل 15 عامًا».

وعزّز نزارباييف سيطرته على الدولة من خلال تكوين صورة لنفسه بأنه الرئيس القوي الذي قاد النمو الاقتصادي المزدهر في كازاخستان على مدى عقدين، ما حماه على ما يبدو من الانتقاد.

ومنح نفسه لقب «الباسي» («قائد الأمّة»). وغُيّر اسم العاصمة المعروفة سابقًا بـ«استانا» إلى «نور سلطان» تيمنا به، في عام 2019.

في الخارج، سعت مجموعة من المستشارين يتقاضون أجورًا عالية، مثل رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، إلى تصويره على أنه رجل دولة متّزن وملتزم الدبلوماسية النووية وبالسلام العالمي.

غير أن هذه الصورة عنه تلاشت هذا الأسبوع عندما هزّت كازاخستان أكبر تظاهرات منذ استقلال البلاد، بدأت أولّا احتجاجًا على ارتفاع أسعار الغاز قبل أن تتخللّها أعمال شغب أسفرت عن 164 قتيلا بحسب وسائل الإعلام.

ودمّر متظاهرون تمثالًا لنزارباييف في تالديكورغان في جنوب شرق البلاد في مشهد لم يكن ليُتوقّع حدوثه في الماضي.

وترافق الشغب بشائعات انتشرت بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي عن صراعات في الرئاسة بين مناصري نزارباييف وخلفه توكاييف.

والسبت دعا نزارباييف الذي لم يظهر علنا منذ بداية التظاهرات، إلى دعم توكاييف ونفى أن يكون فرّ إلى الخارج مع عائلته، على ما نقل عنه الناطق باسمه.

وبعد أسبوع على الاضطرابات، اتهم رئيس كازاخستان مرشده القوي وسلفه نور سلطان نزارباييف، بالمساهمة في نشوء «طبقة ثرية» تهيمن على هذا البلد الغني بالنفط وعلى سكانه.

وقال توكاييف «بسبب الرئيس السابق، ظهرت في البلاد مجموعة من الشركات المربحة جدا وطبقة من الأغنياء جدا» فيما تسيطر بنات الزعيم السابق وأصهاره وأحفاده وغيرهم من الأقرباء على مناصب مهمة للغاية ومصالح اقتصادية في البلاد الواقعة في آسيا الوسطى.

ويُفسّر الغضب الشعبي العارم ضد نزارباييف بالفضائح المتورّط فيها محيطه. وأظهرت تسريبات لوثائق فضلًا عن مسار قضائي في لندن حجم ثروة الابنة البكر للرئيس السابق، داريغا نزارباييفا، من بينها عقارات فخمة في الخارج.

ويعتبر رستم نوغمانوف (48 عامًا) الذي وصل السبت إلى الماتي حيت كان الوضع هادئًا أن الكازاخستانيين «استيقظوا» وقرروا طيّ صفحة عهد نزاباييف.

ويقول «قام بالكثير في سبيل البلاد، لكنه كان يستطيع أن يفعل أكثر بكثير»، مضيفًا «ربّما كان عاجزا بكلّ بساطة، أو ربما كان الجشع، وضعف إنساني آخر...لم يتوقفّ عن الاستسلام لضعفه».