التشهير بمبادرة الحزام والطريق لن يفيد البلدان النامية

24 يناير 2023
24 يناير 2023

فينج دا شيوان -

ليانج هايمينج -

ترجمة - قاسم مكي -

ظل المجتمع الدولي ينتقد مبادرة الحزام والطريق بدعوى أنها ستُدخِل بلدان الحزام والطريق في فخ ديون. لكن لا توجد أبحاث موضوعية تؤكد صحة هذه الدعوى. مثل هذه الانتقادات في معظمها جزء من تَسيِيس ما هو بالضرورة مسألة اقتصادية. فالبيانات خصوصا توضح أن المبادرة يمكنها تقليص «الوقت اللوجستي» بحوالي 2.5% وخفض تكاليف التجارة الدولية بنسبة 2.2% وزيادة الدخل الحقيقي العالمي بما يصل إلى 2.9%.

حسب «أثر بارو- ريكاردو»، الدَّين الحكومي لا يؤثر على النمو الاقتصادي إطلاقا. (أثر أو نظرية بارو- ريكاردو تقول عندما تحاول الحكومة حفز نموِّ الاقتصاد بزيادة إنفاقها المموَّل بالعجز أو الاستدانة يظل الطلب كما هو ولن يتغير- المترجم). أبحاث صندوق النقد الدولي توضح وجود نسبة دين مُثلَى بين نمو الناتج المحلي الإجمالي لمختلف البلدان والدين السيادي لحكوماتها. ووفقا لهذه الأبحاث إذا بلغ الدين النسبة المثلى سيعظِّم معدل النمو الاقتصادي.

ظل الاقتصاديون حول العالم يتجادلون حول العلاقة بين الدين الحكومي والتنمية الاقتصادية. لكن بما أن مشروعات الحزام والطريق يجري تنفيذها منذ عام 2013 فقط لا توجد بيانات كافية لإجراء دراسة معمقة عن العلاقة بين مشروعات البنية الأساسية والنمو الاقتصادي لبلدان مبادرة الحزام والطريق.

لكن هذا لم يمنع الاقتصاديين وعلماء السياسة والمسؤولين الحكوميين ومراكز الأبحاث والوسائط الإعلامية من الهند والولايات المتحدة وأستراليا وبلدان أخرى من «تصنيف» المبادرة كجزء من «دبلوماسية فخ الديون» الصينية.

مثلا نشر الخبير الجيوستراتيجي الهندي براهما شيلاني مقالا في الموقع الإلكتروني «وورلد بريس سينديكيت» في يناير 2017 استخدم فيه مصطلح «فخ الديون» لوصم مبادرة الحزام والطريق. ويتهم علماء من أمثال شيلاني الصين باستخدام شروط إقراض مبهمة في تمويل البنى الأساسية للوصول إلى الموارد العسكرية أو الاستراتيجية لتلك البلدان.

بتسميتهم المبادرة شكلا من أشكال «دبلوماسية فخ الديون» يرسم العلماء صورة سيئة لها. لكن هنالك حجج مضادة لمزاعم الساسة وعلماء السياسة في البلدان المذكورة ممن يسيِّسون القضايا الاقتصادية.

مثلا قادة ومسؤولو البلدان التي تقع على مسار الحزام والطريق مثل زامبيا وكينيا وأنجولا والتي يقول العديد من المراقبين الغربيين أنها وقعت في مصيدة ديون الصين دحضوا علنا وفي مناسبات مختلفة تلك التعليقات الخاطئة.

في الواقع حتى بعض العلماء البارزين وخبراء مراكز الأبحاث المرموقة في الولايات المتحدة درسوا البيانات ونشروا تقارير تدحض «نظرية فخ الديون الصيني».

مثلا ديبورا بروتيجام وميجريثماير وهما أستاذان متميزان للاقتصاد السياسي بجامعتي جون هوبكنز وهارفارد على التوالي أكدا أن «فخ ديون» الصين أسطورة.

يشير العلماء أيضا إلى وجود أدلة واضحة في بعض البلدان مثل: الجبل الأسود وكينيا وزامبيا على أن الإعلام الغربي ينشر مثل هذه المخاوف دون تقديم أي دليل لدعم دعواه.

أيضا يذكر تقرير لمؤسسة راند من الولايات المتحدة أن الربط الحديدي (بواسطة القطارات) سيعزز قيمة صادرات البلدان الواقعة على طول مسار الحزام والطريق بنسبة 2.8%.

ظل مسؤولو وزارة الشؤون الخارجية الصينية والعديد من العلماء يفنِّدون مرارا حجج «نظرية دبلوماسية فخ الديون» الغربية. مثلا الناطق الرسمي بوزارة الخارجية وانغ وينبين ذكر، استنادا إلى بيانات البنك الدولي الصادرة في يوليو 2022، أن 49 دولة إفريقية اقترضت 696 بليون دولار. لكن 75% من هذه القروض جاءت من مؤسسات مالية متعددة الأطراف ومؤسسات مالية خاصة.

من جانبنا، كشفت أبحاثنا حول المبادرة عن أربعة ملامح لافتة.

أولا: وللمفارقة، الساسة في بلدان مسار الحزام والطريق الذين روَّجوا لنظرية فخ الديون هم أول من يعزز التعاون مع الصين عندما يعتَلُون سدَّة الحكم. مثلا إذا كانوا في المعارضة يمكنهم الحصول على دعم شعبي كافٍ وبالتالي التصويت لإسقاط الحزب الحاكم بتوظيف «نظرية دبلوماسية فخ الديون».

المفارقة هنا أن مثل هذه القوى المعارضة بمجرد وصولها للحكم تتحول 180 درجة وتسعى وراء الاستثمارات الصينية؛ لأنها تفهم أهمية تعزيز الاقتصاد الوطني.

ثانيا: هنالك ملمح أساسي للاستثمار الصيني في بلدان الحزام والطريق وهو أنه يميل إلى التركيز على المنافع الاقتصادية المتبادلة في الأجل الطويل وهذا نتيجة للبنى السياسية والاجتماعية للصين. إنه الضمانة بأن الحكومة الصينية سَتَفِي بتعهداتها التي أكسبت الصين دعم وثناء بلدان الحزام والطريق. هذا مهم جدا بالنظر إلى أن فترة العائد على الاستثمار في البنية الأساسية تكون في العادة طويلة جدا ولا يمكن تحقيق الأرباح في الأجل القصير.

لا عجب أن المستثمرين الصينيين في بلدان الحزام والطريق يهتمون دائما بالمنافع الاقتصادية في الأجل الطويل وليس القصير. مثلا حسب التقديرات الإندونيسية الرسمية تم تشييد خط سكة حديد جاكارتا - باندونج في إندونيسيا والذي قد يبدأ تشغيله في مايو بواسطة الصين بتكلفة بلغت حوالي 8 بلايين دولار. لكن في حين من المرجح أن يضخ إيرادات تزيد عن 23.1 بليون دولار إلا أنه، وفقا لأبحاثنا، سيحتاج إلى 40 عاما لكي يحقق ذلك.

بسبب مثل هذه المشروعات وتعميق الروابط الدبلوماسية ستستمر العلاقات التجارية الصينية الإندونيسية في الازدهار. في الحقيقة في عام 2021 بلغت قيمة التجارة الثنائية 124. 43 بليون دولار وارتفعت بذلك بنسبة 58.6% على أساس سنوي. أيضا ظلت الصين ثاني أكبر مستثمر أجنبي في إندونيسيا منذ عام 2019 ونوَّعت استثمارها في مجالات مثل الكهرباء والتعدين وصناعة السيارات والتمويل.

ثالثا: وهذا مثير، أحد الأسباب التي تجعل البلدان المَدينة راغبة في الاقتراض من الصين لتشييد أو تحسين البنية التحتية أن ذلك يساعدها على سداد ديونها للبلدان الغربية.

في الوقت الحاضر حوالي 70% من استثمارات مشروعات الحزام والطريق تتركز في تشييد البنية الأساسية والباقي في قطاعات مثل الطاقة والصحة والابتكارات التقنية والسياحة. فبلدان الحزام والطريق تقترض المال من الصين لتحسين بِنياتها الأساسية من أجل تنمية اقتصاداتها وزيادة إيراداتها الحكومية بحيث يمكنها سداد القروض التي حصلت عليها من البلدان الغربية والمؤسسات المالية متعددة الأغراض. ذلك هو السبب الذي جعل إدارة بايدن تدشن خطة بنية أساسية تفوق قيمتها 1.2 تريليون دولار بأمل تحفيز تعافي اقتصاد الولايات المتحدة.

لقد تجاهلت الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية وبنوكها احتياجات بلدان الحزام والطريق في مجال تشييد البنية الأساسية. في المقابل الصين مستعدة لمد يد العون لمثل هذه البلدان وتقديم التقنية والمعايير الصينية لبناء منشآت البنية الأساسية. فقط بتعزيز التنمية الاقتصادية وزيادة الإيرادات الضريبية يمكن للحكومات تحصيل المزيد من الأموال لسداد الديون التي أخذتها من البلدان الغربية والمؤسسات المالية المتعددة الأطراف وتحسين معايش الناس.

رابعا: الزيادات المستمرة والكبيرة في أسعار الفائدة بواسطة بنك الاتحاد الفيدرالي الأمريكي وموجة إصابات «كوفيد-19» الجديدة يمثِّلان التحدي الحقيقي الذي يجب على بلدان الحزام والطريق التغلب عليه لكي تتمكن من إدارة ديونها بشكل سليم. في الحقيقة تسببت الزيادات الحادة الأخيرة التي فرضها بنك الاحتياط على أسعار الفائدة في أزمات مديونية في العديد من هذه البلدان التي لديها ديون مرتفعة نسبيا بالدولار الأمريكي.

عموما يتنوع دائنو البلدان التي تواجه مخاطر مديونية مرتفعة. فمن بينهم الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية واليابان وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ومن المؤكد أن الصين ليست البلد الدائن الوحيد لهذه البلدان.

لذلك بدلا عن اتهام الصين بتوريط بلدان الحزام والطريق في فخ ديون يجب أن يركز الغرب على كيفية مساعدة البلدان المَدِينة على كيفية التغلب على تحديات الديون وتقوية المشاورات والتعاون بين البلدان لتقديم حلول منهجية وشاملة لتسوية الديون.

الحل الوحيد الحقيقي والطويل الأجل هو تطبيق خطة شاملة والتركيز على معاونة هذه البلدان للتعجيل بتعافيها الاقتصادي وتعزيز قدراتها التنموية.

لقد اشتُهِر عن شارلس داروين (صاحب نظرية التطور أو النشوء والارتقاء-المترجم) قوله إن بقاء كائن ما، في آخر المطاف، لا يعود إلى أنه الأقوى أو الأذكى ولكن لأنه الأكثر قدرة على التكيف مع التغيير.

قد لا يكون معدل فائدة الصين الأقل في العالم وقد لا تكون التقنية الصينية الأفضل في كل مشروعات الاستثمار التي تعزز تطوير مبادرة الحزام في العالم. لكن يقينا المشروعات الصينية هي الأنسب لتعزيز التنمية الاقتصادية في هذه البلدان.

فينج دا شيوان - العميد الشرفي لمعهد أبحاث الحزام والطريق بجامعة هاينان.

ليانج هيمينج - عميد معهد أبحاث الحزام والطريق بجامعة هاينان.

ترجمة خاصة لـ«$»عن الصين ديلي