عمان اليوم

"خيمة الشعر" في متنزه العامرات .. ذاكرة من البادية تنبض بالأصالة والقيم

08 يناير 2026
كتب - خالد بن محمد البلوشي - تصوير - خلفان الرزيقي
08 يناير 2026

كانت خيمة الشعر التي نصبت على الرمال هي مجلس الرجال ومدرستهم التي يتعلمون فيها، السمت العماني، والعادات والتقاليد، هناك حيث يبدأ الصبية بمشاهدة آبائهم وأجدادهم كيف يتعاملون مع بعضهم البعض؟ وكيف يتعاملون مع الضيف؟ وهناك تشدو الألحان، ويتبارز الشعراء بالكلم، وتتعلم الفتيات حرفة النسيج، وغزل الصوف.

ارتبطت خيمة الشعر بالبدو ارتباطا وثيقا، إذ كانت بيتهم المتنقل الذي يقيهم حر الشمس وبرد الشتاء، ويمنحهم الخصوصية والأمان وسط الصحراء القاسية، وقد سميت بخيمة الشعر لأنها تصنع من شعر الماعز أو الإبل، الذي يمنحها المتانة والقدرة على التكييف مع الظروف المناخية المختلفة، هذا الاختيار الذكي للمواد يعكس عمق خبرة البدوي العماني في استثمار موارد بيئته الطبيعية.

وقد حضرت هذه الخيمة في متنزه العامرات والقرم كمظهر من مظاهر التراث التي ارتبطت بحياة البادية عبر السنين، تعكس أجواء الماضي في الشتاء، وتشارك جمهور ليالي مسقط هذا الجمال، ولتصبح جسرا يربط الماضي بأبناء الحاضر، مساهمة في حفظ الذاكرة الثقافية ونقلها للأجيال القادمة.

جسدت خيمة الشعر في متنزه العامرات صورة حية للحياة البدوية بكل تفاصيلها، من شكل الخيمة ووجودها على الرمال الذهبية وتقسيمها، إلى الأدوات المستخدمة فيها، مثل الدلال، وفناجين القهوة، والسجاد التقليدي، والتكيات التي زخرفتها أعمال نساء البادية، كل هذه التفاصيل الصغيرة لم تعرض للزينة فقط، ولكن لتروي معها قصة أحد المجتمعات العمانية القديمة التي عاشت الجمال مع البساطة والاصالة.

وأشار المشارك راشد بن حميد المشايخي إلى أن مشاركته في ركن البادية بمتنزه العامرات، تمثلت في تجسيد القرية البدوية الأصيلة بكل تفاصيلها، والمتكونة من خيمة الشعر والحظيرة، والحظيرة هي المجلس الذي تشب فيه النار وتعد فيه القهوة العمانية وتحميس البن واستقبال الضيوف.

وأوضح المشايخي أن الركن استقبل الكثير من المواطنين والمقيمين والسياح، حيث يتم الترحيب بهم، وتقديم الضيافة لهم في داخل الخيمة، متبادلين معهم أطراف الحديث، وتعريفهم بالقرية وحياة البادية الحقيقية، وهم يشاهدون طريقة تحميس البن على الجمر، وكيفية إعداد قرص الطحين على الجمر، بينما يستمتع أطفالهم بركوب الإبل، حيث يقوم الشباب المشاركون بأخذهم في جولات قصيرة، ليعيشوا التجربة، وليغادروا الخيمة وهم في قمة السعادة، خصوصا الأجانب الذين لم يسبق لهم التعرف على هذا التراث الأصيل.

وأضاف أن الخيمة في الماضي كانت هي البيت في البادية، وهي مصنوعة من شعر وصوف الغنم المغزول، وكانت تمثل المسكن الأساسي لأهل البادية، وهي مجلس الرجال ومكان استقبال الضيوف.

مشيرا إلى أن الخيمة لم تكن مجرد سكن، لكنها مدرسة متكاملة، تجتمع فيها العائلة، ويتلقى الأبناء التوجيه والنصح، ويتعلمون التمييز بين الصح والخطأ، ويتربون على القيم والعادات، فكان الابن لا يفارق والده، ويتعلم منه السنع، وكيفية استقبال الضيف، وصب القهوة، والجلوس الصحيح، حتى طريقة مسك العصا، فكل ما يفعله الأب يتعلمه الابن ويطبقه، كما أن الولد دائما يكون بصحبة والده عند رعي الإبل أو الغنم ويتعلم منه ما ينبغي.

وقال المشايخي إن تعلم هذه الأمور تعزز الهوية عند الفتى، فهي عادات وتقاليد عمانية أصيلة، سواء عند البدو أو الحضر، فالجميع يشترك في القيم نفسها، والاختلاف فقط في نمط السكن؛ فالحضر كانوا يسكنون المدن ويعيشون في بيوت الطين، والبدو لديهم خيام، لكن العادات واحدة.

وبيّن المشايخي أن المجالس لها تأثير كبير على الأطفال، حيث يجب على الآباء اصطحاب أبنائهم إلى الخيمة أو المجالس أو المهرجانات التي تحتضن هذا الموروث، فهذه المجالس تعلمهم السمت العماني والسنع وآداب الجلوس والحديث وتعزز لديهم حب اللباس العماني، وتعرفهم على كيفية إعداد القهوة، ودق البن بالمنحاز أو كما يطلق عليه البعض "المدق"، وإشعال النار، وهي أمور يتعلمها الطفل من أبيه ومن البيئة المحيطة به، مؤكدا أن المهرجانات ليست فقط للغناء والطرب، بل فرصة ليتعرف الأبناء على جلسات العرب الأصيلة، ويتعلموا معنى المجلس، والخيمة، والحظيرة، وصب القهوة، وحمل الغسول في المجلس.

ونصح المشايخي بضرورة عدم ترك الأبناء في المنازل أمام التلفاز أو الكمبيوتر، بل استغلال المهرجانات والمجالس كفرص تعليمية، ولو مرة أو مرتين في الأسبوع، خاصة في عطلة الجمعة والسبت، فالمجالس مدارس حقيقية.

وأكد على أهمية تعليم الأطفال صب القهوة ولو كانوا صغارا في عمر ست أو سبع سنوات، وأن يمسك الطفل الغسول، ويشارك والده في المجالس والعزائم والأعراس، ليستمع للعلوم والخبر ويتربى على القيم الصحيحة، وألا يترك الطفل جالسا فقط مع النساء في البيت، لأن المجلس هو المدرسة الحقيقية.

وأوضح المشايخي أن الخيمة البدوية تدعم السياحة بشكل كبير، حيث يزورها الوافدون والأجانب، ويأتون بعائلاتهم، ويقومون بالتصوير داخل الخيمة ومع الإبل والحظيرة وشبة النار، ويبدون إعجابهم الكبير بهذه التجربة، واصفا أن ردود أفعالهم إيجابية جدا، حيث يغادرون وهم في غاية السعادة والانبهار.

خيمة نساء البادية

وقالت خزوم بنت حمد القعدوية أن الخيمة البدوية بالنسبة لها تمثل الماضي الأصيل الذي عاشته الأمهات والجدات، حيث كانت الخيمة مركز الحياة اليومية، إذ تشب النار أمامها، وتصنع فيها النساء القهوة التي ستقدم للضيف، بالإضافة الى أنها مكان القيام بالأعمال التقليدية المرتبطة بالحياة البدوية، حيث كن يعملن في الخياطة والنسيج، فكانت نسائنا تخيط منتجات تراثية متعددة مثل الخري وهي قطعة قماش توضع فوق الناقة، وغالبا ما تكون مزخرفة بنقوش السدو التقليدية، وهي جزء أصيل من مستلزمات الإبل، وتستخدم عادة أثناء العرض والركض، بالإضافة الى صناعة الشملة، الميداليات، والنقشات، وكانت هذه الأعمال كلها تمارس داخل الخيمة يوميا.

وأضافت القعدوية أن الأمهات كن يجمعن البنات الصغيرات ويقمن بتعليمهن على هذه الحرف التراثية، ليكبرن وهن يحملن هذا الموروث معهن، مؤكدة أنهم حافظوا على هذا التراث تماما كما حافظت عليه أمهاتهم، سواء في البادية أو في الحاضرة، فالعادات نفسها مستمرة وإن اختلف أسلوب الحياة.

وأوضحت خزوم القعدوية أن مشاركتهم في فعاليات ليالي مسقط تهدف إلى إيصال رسائل بأهمية الحفاظ على التراث العماني والموروث الشعبي، مؤكدة أن المحافظة عليه هي مسؤولية الجميع، ويجب التمسك به وعدم التفريط فيه.

أشاد محمد مشايخ من المملكة الأردنية، الذي زار المتنزه برفقة عائلته، بالقرية البدوية وما تقدمه من فعاليات، موضحا أن أبناءه استمتعوا جدا بالأجواء التراثية، مشيرا إلى أن تنظيم القرية يعكس نموذجا حيا من حياة البدو، ومؤكدا أن الخيمة تسهم في تعليم الأطفال الأصول والعادات والتقاليد الأصيلة، بما يتقارب مع العادات التي يعرفونها في الأردن، وأكد أن أبناءه خاضوا تجربة ركوب الجمال لأول مرة، وقد استمتعوا بها بشكل كبير، معربين عن رغبتهم في تكرار هذه التجربة مستقبلا.

وبذلك نستوضح أن خيمة الشعر تكتسب أهمية اجتماعية كبيرة، لدى البدو فهي كانت ولا تزال رمزا للكرم وحسن الضيافة، فبداخلها تقدم القهوة العمانية، ويستقبل الضيف بحفاوة، وتدار الأحاديث، وتلقى القصائد، وتروى الحكايات. ووجودها ضمن فعاليات ليالي مسقط، يشعر الزائر بدفء المكان وروح التآلف، ويعزز قيم التواصل الاجتماعي ويبرز أخلاقيات المجتمع البدوي القائم على الاحترام والتعاون.

ومن جانب سياحي، فقد جذبت خيمة الشعر بشكلها وألوانها، وعناصر البادية من حولها، الزوار من مواطنين وأشقاء خليجيين وعرب وسياح أجانب، فالكثير من الزوار حرصوا على دخول الخيمة، والتقاط الصور، والاستماع إلى الشروحات حول طريقة بنائها واستخدامها، لتكون تلك الخيمة الثابتة على أوتادها فرصة لنشر الوعي بالتراث المحلي وتعريف العالم به بصورة مشرفة.