عمان اليوم

"ساب بني خميس" بجبل شمس.. وجهة سياحية تجمع بين الجيولوجيا والمغامرة

09 يناير 2026
09 يناير 2026

يشكل جبل شمس في ولاية الحمراء بمحافظة الداخلية واحدًا من أبرز المقاصد السياحية في سلطنة عُمان، بفضل ما يزخر به من مواقع طبيعية خلابة تأسر عشّاق الترحال وهواة المغامرات على حد سواء، فكل قرية وكل بلدة في هذا الجبل الشامخ تخفي بين أحضانها مفاجآت استثنائية، غير أن الوصول إليها يتطلب مزيجًا من الصبر والمثابرة، في رحلة تنسجم فيها المغامرة مع روح التحدي، حيث لا مجال للكسل والملل.

ومن بين هذه المواقع، تبرز منطقة ساب بني خميس الواقعة أسفل منطقة حيل الرق بجبل شمس، والتي يمثل الوصول إليها تجربة ممتعة لعشاق استكشاف الطبيعة. ويبدأ المسار من ولاية الحمراء، حيث يتجه الزائر عند دوار محطة الوقود يسارًا نحو قرى وادي غول، ثم يواصل الصعود عبر الطريق الجبلي المؤدي إلى جبل شمس حتى قرية الخطيم بالقرب من منتجع جبل شمس السياحي، قبل أن ينحدر الطريق باتجاه الأخدود الشاهق مرورًا بمسار المشي في وادي النخر وصولًا إلى ساب بني خميس، في رحلة تستغرق نحو ساعة.

وتتميّز المنطقة بوجود آثار المنازل القديمة المبنية من الحجارة والطين، التي ما زالت صامدة رغم رحيل سكانها منذ عقود، وتعلو أسقفها أشجار العلعلان والعتم. كما تنتشر بالقرب منها بحيرة كبيرة تكونت بفعل شلال وادي الساب المنحدر من أعالي الجبل، وتظل محتفظة بالمياه طوال العام حتى في فترات الجفاف، إلى جانب كهف كبير تتساقط منه قطرات الماء، وقد تشكّلت داخله الصواعد والهوابط عبر الزمن.

وقد استغل الأهالي قديمًا هذه المياه النابعة من أعالي الجبل في تنمية أراضيهم، فشقّوا القنوات بعناية فائقة وأنشأوا المدرجات الزراعية التي لا تزال آثارها الباقية شاهدة على براعتهم وحسن تدبيرهم، وزرعوا أشجار الرمان وغيرها من المحاصيل الموسمية المتنوعة التي كانت تزين المكان. أما الزائر اليوم، فيُبهِره امتزاج الطبيعة البكر مع التضاريس الجبلية الشاهقة، ومنحدراتها المهيبة، وأجوائها العليلة، بينما ينساب الشلال متدفقًا عند هطول الأمطار، ليمنح المكان رونقًا خاصًا وسحرًا يأسرك منذ اللحظة الأولى ويجعله وجهة سياحية فريدة لا تُنسى.

وحول القرية، أوضح ناصر بن سليمان بن حميد الخاطري أن تسمية المنطقة جاءت تيمّنًا بفخيذة بني خميس إحدى فخائذ قبيلة الخواطر، مشيرًا إلى أن "الساب" كان يُعدّ قديمًا محمية طبيعية للمرعى، حيث كان الأهالي يمنعون دخول الماعز والأغنام إليها خلال فصل الصيف، ويمتد المنع من قرية الخطيم وحتى ساب بني خميس من شهر مايو إلى سبتمبر، فيما كانت الأسر تسكن الساب شتاءً طلبًا للدفء وتوافر المراعي.

وأشار إلى أن الطريق الرئيس للوصول إلى الكهف هو الممشى الحالي الذي كان الأهالي يسلكونه مشيًا على الأقدام أو باستخدام الحمير، بينما توجد طريق أخرى تُعرف بـ"طريق الرفصة" عند الحوض المائي، وكانت قديمًا عبارة عن منصّة خشبية تم ترميمها لاحقًا وتحويلها إلى سلك حديدي.

ولفت الخاطري إلى أن سكان الساب كانوا يمارسون الزراعة، فكانت تُزرع محاصيل موسمية مثل القمح والذرة والبصل والثوم والبطيخ، ويعتمدون على "جباة الساب" التي تتجمع فيها المياه، ومنها تُرفع باستخدام "المنجور" إلى المزارع، قبل أن تتوزع عبر ساقية الوادي إلى برك مخصّصة للتجميع.

وتضم القرية مسجدًا وبيوتًا قديمة بعضها من طابقين، إضافة إلى أماكن مخصّصة للنوم وتربية الأغنام "الزرب"، وقد بُنيت المنازل تحت الكهف حماية لها من تساقط الحجارة. كما تحيط بالقرية ثلاثة أبراج شُيّدت للدفاع عنها، وكان المزارعون يستخدمونها لطرد الطيور عن محاصيل القمح، إلى جانب غرف صغيرة تُعرف بـ"البكاكير" كانت تُستخدم لحفظ محصول القمح وإغلاقه بالطين لمدة طويلة، وفتحها وقت الحاجة.

واختتم بالقول: إن آخر عائلة سكنت القرية غادرتها في عام 1986، فيما تبقى آثار المكان شاهدة على تاريخ ممتد وطبيعة تزخر بتنوع جغرافي وموروث ثري، يجعل من ساب بني خميس محطة جذب للزوار ومحبي الاستكشاف.

Image