هواجس حزينة عن قريتي المهجّرة
07 يناير 2026
زياد خداش
07 يناير 2026
صباح كلّ عيد تلصق في ذهني مشاهد الأصدقاء من طلاب وموظفين، وهم يجرّون حقائبهم مبتهجين تجاهَ مجمع سيارات الجنوب والشمال عائدين لعدة أيام إلى قراهم ومدنهم وأتخيل نفسي جارّا حقيبتي من رام الله إلى مخيّم الجلزون، حيث يسكن أهلي (فأفرط) ضحكا على نفسي وأشعر بالمرارة؛ فالمخيّم لا يُعاد إليه، بل يُلجأ إليه.
فرقٌ كبيرٌ بين العودة واللُّجوء. تظلّ كلمة من ثلاثة حروف مُفزعة تطنُّ في رأسي وأنا أسأل الأصدقاءَ استدراجا لإجابة أعرفها جيدا: «- وين يا شباب: - مرَوحين على البلد. أسلِّم عليهم، وأركبُ سيارات المخيّم بلا حقائب وقلبي يصيح: لماذا أدوخ حين أسمع كلمة (بلد). أنا بلا بلد».
لم يحدث أنَّ يوما يمرُّ دون أنْ أتخيّل نفسي في قريتي المهجرة بيت نبالا، قضاء الرملة، لم يحدث أنّ يوما يمرُّ دون أنْ أربطَ ما يحدث معي وردّات فعلي على المواقف والأشياء بكوني «لاجئ» يسكن مخيّما.
«لماذا آكل بسرعة؟! لماذا أمشي مع أصدقاء بسرعة؟! فيضحكون عليّ: ولك وينك ليش بتركض؟! لماذا أقع في الحُبّ بسرعة؟! لماذا لا أنام بشكل عميق؟! لماذا يصيبني دمارٌ حين ترفض حبّي امرأة ما؟!» لماذا أخجل حين أدخل تجمّعا بشريا كبيرا؟! لماذا أخاف من الوقوف أمام جمهور؟! لماذا أخاف من المرض؟! لماذا لا أجرؤ على مواجهة شخص يعتدي عليَّ؟! لماذا أحبُّ أنْ أشمَّ رائحة ثياب جدّي المتوفّى؟! لماذا أنهار حين أرى أبي يزرع البقدونس في علب بلاستيكية على سطح بيتنا في المخيَّم، وهو الذي كان له عشرات الدونمات من الأراضي والبيارات؟!
كل ذلك لا أستطيع فصله عن كوني «لاجئ».
فجر كلّ يوم، وقبل أن أنهض من فراشي، أنزف هذه الجملة: ها هو يوم آخر بلا قريتي، لا أبالغ، ولا أقول شعرا، القصّة صارت كبيرة داخلي، ثمّة هواء عريض لي هناك، لا أستطيع تنفسه، ترابٌ وصخور واحتمال جاهز لزيارة البحر في أي وقت.
لا أستطيع أنْ أبعد نفسي عن هذا الحق، لم أعش هناك لحظة، زرتُ كثيرا قريتي المهجّرة المدمّرة كلاجئ في رام الله، هم يسمحون لنا بالدخول، يظنّون أن هذا قد يخفّف من لوعة الشوق، ويربي داخلنا خاصيّة التّعوّد القاتلة. (لندعهم يدخلون، يبكون قليلا، ثم يعودون إلى المدينة، يواصلون حياتهم الطبيعية)، هكذا أتخيّلهم يحلِّلون ويخطّطون، لكنّ ذلك غير صحيح، يعرفون أنّ خاصية التّعوّد غير مفعّلة داخل اللاجئ الفلسطيني.
أتذكّر أنّ آخر زيارة لي للبلد قبل أشهر، كنّا مجموعة من الأقارب والأصدقاء، نتجوّل بحماسة أطفال، نصعد المرتفعات وننزلها منتشين، متأثّرين، دامعين، وكأنّ النكبة قد حدثت قبل ساعة، هذا ما يحدث للجميع، سمعتُ هذا الكلام بهذه الروحية المناضلة عشرات المرات: «صرت زاير البلد ألف مرة، في كل مرة بشعر أنها أول مرة، مشاعري بتكون بدها تتفجر من الغضب والحسرة».
لا اعتياد على الجرح يا محتلّين، سيظلُّ مفتوحا ومدّمى، شاهرا علامته ورمزيّته ومطلَبه الوحيد، وهو العودة إلى جذر الأشياء. غدا، هو نهارٌ آخر في المخيّم، يومٌ لا أكون فيه داخل قلب قريتي.
هل سيكون هناك يومٌ أعودٌ فيه إلى قريتي ساكنا لا زائرا؟!
