أمسية الشعر الشعبي في ليالي مسقط تفتح فضاء للقصيدة والذاكرة
(عمان) في واحدة من لياليها الثقافية المميزة قدّمت ليالي مسقط 2026 أمسية الشعر الشعبي الثانية على مسرح البحيرة بمتنزه القرم الطبيعي، وسط حضور جماهيري أكّد استمرار الشعر الشعبي كصوت حي في المشهد الثقافي، وقادر على استدعاء الذاكرة الجماعية والتفاعل المباشر مع الجمهور.
الأمسية التي جمعت الشعراء محمد السكران، ومحمد بن ضحي، وعلي الراسبي، شكّلت لقاء بين تجارب تنتمي إلى فضاء واحد وتختلف في نبرتها ومساراتها، حيث تعاقبت القصائد محمّلة بإيقاع الصحراء وملامح التجربة الشخصية، ومتقاطعة مع أسئلة الإنسان والمكان والانتماء.
افتتح الشاعر محمد السكران مشاركته بنصوص اعتمدت على قوة الإلقاء وكثافة الصورة، مستحضرة مفردات الفخر والاعتزاز والذاكرة الشعبية، ومؤكدة حضور القصيدة الشعبية بصوتها الجهوري وقدرتها على بناء علاقة مباشرة مع المتلقي، دون تعقيد لغوي أو افتعال في التعبير.
وفي مشاركته قدّم الشاعر محمد بن ضحي نصوصا مالت إلى التأمل والوجدانيات، حيث حضرت اللغة اليومية المشبعة بالتجربة، وتجاورت الصور البسيطة مع المعاني العميقة، في قصائد بدت قريبة من الجمهور، ولامست تفاصيل إنسانية مشتركة، انعكس صداها في تفاعل الحضور.
أما الشاعر علي الراسبي فقد اتكأت نصوصه على توازن واضح بين الحكمة والتجربة، واستدعاء المكان كذاكرة حيّة، حيث تنقّلت القصائد بين موضوعات الذات والعلاقة مع الزمن والتحولات الاجتماعية، بلغة تميل إلى الهدوء والتركيز، وإيقاع يحفظ للقصيدة اتزانها.
الأمسية أدارتها الشاعرة رحاب السعدية والتي قدّمت الشعراء بسلاسة وربطت بين فقرات الأمسية بحضور هادئ منح النصوص مساحتها الكاملة، وأسهم في الحفاظ على نسق الأمسية دون إيقاع متعجل، ما أتاح للجمهور التفاعل مع كل تجربة على حدة، وشكّلت الموسيقى المصاحبة عنصرا داعما للحالة الشعرية، حيث انسجمت الأوتار مع الإلقاء، وأضافت بعدا سمعيا رقيقا، عزّز من حضور القصيدة دون أن يزاحمها، لتتحوّل الخشبة إلى مساحة يلتقي فيها الصوت مع الإيقاع في تناغم محسوب.
وشهدت الأمسية تفاعلا لافتا من الجمهور الذي تابع القصائد بإنصات وتصفيق، في مشهد يعكس علاقة متجددة بين الشعر الشعبي والمتلقي، ويؤكد أن هذا الفن ما زال حاضرا في الوجدان العام، وقادرا على ملء الفضاءات الثقافية المفتوحة.
وتأتي هذه الأمسية ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تحتضنها ليالي مسقط 2026، والتي تسعى إلى تعزيز حضور الفنون الشفاهية، وفتح مساحات جديدة للتلاقي بين الشعر والموسيقى والجمهور، في تجربة ثقافية ممتدة تترك أثرها في الذاكرة، وتتجاوز حدود اللحظة العابرة.
