رسالة سامح مهران في اليوم العربيّ للمسرح الأكثر وعيا ونبلا
تحسين يقين
تعدّ رسالة اليوم العربي للمسرح العربي هذا العام تتويجا لرحلة كاتبها، كواحد من أهم المسرحيين العرب، الذين حملوا رسالة الفن والثقافة كأنبل ما يكون الحمل وطنيا وقوميا وإنسانيا؛ فالمسرح يعني الحياة، وليس أي حياة، بل الحياة الفضلى لنا جميعا: الشعوب ومنظومات الحكم باتجاه إنسانيّ.
كنت طالبا في السنة الأولى في كلية الآداب عام 1988، حين تأسس مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي الذي من خلاله بدأنا رحلة البحث عن المسرح البديل، لما كان سائدا من التسطيح في معظمه، حتى لا نكون ظالمين لجهود سابقة ظلت موجودة، رغم ما اعترى المسرح من تشوهات كانت انعكاسا لما حدث من تحولات عميقة في مجتمعنا العربي، ومنه بالطبع المجتمع المصريّ، كأهم مجتمع عانى من التحولات التي بدأت في أواخر السبعينيات التي لم نتخلص من آثارها حتى الآن.
كنت طالبا مثل غيري من المهتمين بالأدب والفن، حين مللنا من المسرح التجاريّ (السياحيّ) الذي أقبلنا عليه في القاهرة، مدفوعين بذاكرة مشاهدة المسرحيات من خلال التلفزيون، حتى كان موقفا أظنه كان بداية وعيي واحتجاجي على هذا اللهو، فغادرت المسرح قبل انقضاء المسرحية، ورحت أبحث عن مسرح آخر، فكان اللقاء بمسارح الشباب والطليعة والقومي والغد، وغيرها، بما فيها أيضا مسرح الهناجر الحديث في أرض دار الأوبرا.
في تلك الظروف كان تأسيس المهرجان التجريبي، الذي عمّق من وعي المسرحيين والمثقفين العرب، بل وأحدث فيما نظنه تنمية فكرية وسياسية، لعلنا نأتي على ذكرها في مقال خاص. وفي تلك البيئة التي حملت فيها شخصيات عربية في مصر عبء النهوض المسرحي، كان الدكتور سامح مهران، في منتصف الثلاثينيات من العمر، لكنه كان كبير النضج الفكري والسياسي والقومي؛ فكان اهتمامه الأصيل بالفن، والمسرح، ينبع من فهم عميق لمنظومة الحكم والمجتمع العربي، في سياق العلاقات الدولية المؤثرة علينا، والتي تهدف إلى تذويبنا، بل ومحونا ثقافيا وسياسيا.
لذلك، كان من الطبيعي، والحال كذلك، شخصيا وقوميا، أن يشارك دكتور مهران في قيادة مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي، ليرأسه من زمن مضى، ثم ليستمر في عالم المسرح مبدعا، إضافة إلى رفده مهرجانات المسرح العربي من خلال وجوده الفاعل، ما جعله منظرا مسرحيا لا عربيا فقط، بل عالميا، مدفوعا بالفكرة الرائدة للتجريب المسرحي الذي احتضنته القاهرة كأول عاصمة عالمية تفرد له التخصص والخصوصية.
وعليه، تعدّ كلمة الدكتور سامح مهران، في مهرجان المسرح العربي في دورته السادسة عشرة، من أهم أدبيات رسائل اليوم العربي للمسرح، بل واليوم العالمي للمسرح أيضا، بما اشتملت عليه من عمق إنسانيّ عالميّ.
لقد ظهر وعي الكاتب هنا وهويته واتجاهاته في مفتتح الرسالة حين بدأها بقوله "إن المسرح دائمًا هو ابنٌ لعصره، ومن ثم فعلاقته بالسلطة والمعرفة والسياقات الاجتماعية لا شك فيها. فالعملية المسرحية من جانب مهم منها، عبارة عن تفكيك للخطابات والمعاني السائدة، وكشف لبنى السلطة المنتجة لما نعتبره معرفة"، كأنه يحسم أمره في هوية المسرح ودوره، بعيدا عن التقوقع في علب الحداثة المغلقة على نفسها، ليتابع بعدها التعمق حين شبّه مهران "المسرح بالفلسفة، بما أنه فعل نقدي يقاوم المسلمات، ويزعزع البديهيات. فعندما تتمكن الذوات من معرفة نفسها، تستطيع ممارسة حريتها حتى ضمن أي شرط قسري". ولعل هذا التشخيص، والمنطلق، والوعي هو ما جعله يحذّر في كلمته من "انتزاع الإنسان من محيطه الاجتماعي، ليصبح مستوحدًا أمام تقنيات الاتصال الحديثة".
في كلمته الموجزة، كان الدكتور مهران ربما أول من يحذّرنا جميعا من "الثورة البيوتكنولوجية في علم الوراثة، والهندسة الجينية، والأدوية العصبية، التي تفضي إلى تجاوز للطبيعة الإنسانية نفسها، وهو ما يهدد المساواة الإنسانية؛ فالمخاطر لا تكمن في الدمار، بل في التحوّل التدريجي للإنسان إلى شيء آخر فوق بشريّ، ما له آثار جسيمة في تغيير الطبيعة الإنسانية أخلاقيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا".
لقد راح الدكتور مهران يوضّح الأثر السلبي لهذا التحول الذي "سيؤدي إلى مجتمعات طبقية بيولوجيًّا؛ فهناك أدوية مثل "بروزاك وريتالين" تغير من المزاج أو الأداء العقلي، وهو ما يطرح تساؤلات حول حرية الإنسان عندما يخضع لأدوية تعيد تشكيل وعيه"، رابطا ذلك بعبقرية الالتزام الوجودي تجنبا من استعباد البشر، كون "التقنيات الحديثة تعمل على التحكم العقلي والسلوكي بواسطة الزرعات العصبية، والواجهات الدماغية الحاسوبية، والذكاء الاصطناعي المتكامل مع الجهاز العصبي، ليس فقط على تحسين الوظائف الجسدية، بل لضبط الفكر والإرادة. فالإنسان قد يتحول ليصبح كائنًا إلكترونيًّا، خاضعًا ومدارًا عن بعد من قبل شبكات رقمية مركزية، يفقد فيها وبها حريته الداخلية" وبالطبع فإن ذلك ليس منقطعا عما يحاك للعالم العربي من مؤامرات تستهدف السيطرة عليه "عن بعد"، ليضيف بهذا التحذير إلى أدبيات المسرح والثقافة والنظم السياسية ما ينبغي ليس الانتباه له فقط، بل مواجهته عبر طرق متنوعة منها الفن والثقافة كقوتين ناعمتين، يمكن لنا التحصّن بهما.
مفارقة مدهشة يثيرها الدكتور مهران حين "يؤدي التقدم العلمي والتكنولوجي إلى زيادة مركزية السلطة بما يهدد حرية الفرد واستقلاليته" ما يؤثر سلبا على الإبداع والتفكير النقديّ، مطالبا بضمان وجود معايير أخلاقية ضابطة للتقدم العلمي.
في ظل ذلك، عمّق الدكتور مهران مسألة المسرح والهوية في ظل الاحتفاظ بالبقاء الوجودي المواكب للعصر، والتفكير في دور المسرح في إزالة التكلس الثقافي بشكل عام، في تحليل عميق يعدّ طريقا للارتقاء بالفنون التي تجنّب المجتمعات إعادة إنتاج القديم، أو الذوبان نتيجة العولمة، لتحقيق العدالة بعيدا عن التسليع.
لذلك، وجد صاحب كلمة يوم المسرح العربي الفرصة قد تهيأت ليختتم الرسالة، بالتوازن الإنساني، من خلال الارتباط بين الخلاص الفردي والجمعي؛ "فالاهتمام بالآخرين، بالمدينة، وقضايا المناخ والتلوث البيئي، الأمر الذي يؤدي إلى تحسين الذات والحياة معًا".
وتلك هي "القوة الأخلاقية للمسرح.. فمن الأنا يتشكل مجتمع "النحن"، القابل دائمًا لإعادة التعريف"، وذلك هو الفنان والأكاديمي والمفكّر سامح مهران، الذي يعلمنا دوما أن الفن ليس منقطعا عن الحياة والمجتمع والعالم.
