No Image
ثقافة

"مسامير الخلود"... آمال تبنى بالخشب والمسمار

03 يناير 2026
03 يناير 2026

اتجهت جموع الجماهير مساء أمس نحو مدرجات مسرح كلية الدراسات المصرفية والمالية، لحضور ثاني عروض مهرجان الشفق التجريبي في نسخته الأولى، والذي تنظمه فرقة الشفق المسرحية بالتعاون مع عدة جهات، منها وزارة الثقافة والرياضة والشباب.

وكان الجمهور على موعد مع عرض فرقة السلام المسرحية الأهلية، بعنوان "مسامير الخلود"، التي تناولت قضية السلطة في رمزية "الكرسي"، إذ يجتمع مجموعة من النجارين نحو هدف واحد، وهو دخول مسابقة لصناعة كرسي الملك، في ظل أزمة بسيطة في الأخشاب، وأزمة خانقة في المسامير.

ينطلق العمل بمرور شخصيات المسرحية، بصوت خطوات أرجلهم، واحدًا واحدًا، بحركات بطيئة تميل إلى السرعة شيئًا فشيئًا، إيحاءً بسرعة الحياة التي تمضي دونما نشعر، إلى أن تحل لحظة الصفر وينتهي الوقت دون تحقيق كل الأهداف.

تبرز شخصيات المسرحية تدريجيًا، لتوضح أن الحكاية حدثت في مجتمع يمتهن النجارة، مجتمع فقير يعيش تحت قهر الحياة التي لا ترحم، الجميع يبحث عن لقمة يعيش بها في يومه، وما الحياة في هذا المجتمع إلا طبقية تحددها كمية الطعام، لكن الجميع يعمل لإنتاج الكراسي لأبناء المجتمع، ورغم توافر الخشب جزئيًا، إلا أن المسامير هي الأزمة الكبرى، ليستبدل النجارون قوة المسامير بهشاشة الغراء.

يتصل النجارون مع العالم الخارجي من خلال المذياع، الذي يعلن عن كل جديد وخبر يحدث في البلد، حتى تعلن مسابقة في كافة أرجاء البلدة لصناعة كرسي للملك، ومن يفوز بالمسابقة تفتح له أبواب الخير، بل ويكون من المقربين لدى السلطة.

وقد جسدت المذياع شخصيتان تراوحتا في مشاهد عديدة، معلنتين عن الزمن الباقي حتى آخر وقت، كاسرتين حدة السوداوية بإضفاء الكوميديا.

يشتعل روح الحماس لدى النجارين، في ظل أزمة الخشب والمسامير، فيجتمعون حتى يحددوا آلية العمل، يتفق الجميع على الاشتراك في صناعة الكرسي، ولكن كيف تحل المشكلة؟ فتتبادر أنواع الحلول التي لا يتفق عليها الجميع، فاقتراح استعمال الغراء مرفوض لهشاشته، واقتراح جمع كراسي الفقراء لإعادة صناعتها مرفوض كذلك خوفًا من الله ودعاء الفقراء، وفي كل بادرة نحو الحل تجد معارضًا، لينفض الاجتماع، وكل هدف إلى صناعة كرسيه لوحده حسب مقترحه وحسب إمكانياته.

لكن الحال يزداد صعوبة، والوقت يمضي بلا إنجاز، وساعة الصفر تقترب من النهاية، فتخطر ببال أحدهم أن له صديقًا قد يزودهم بالمسامير، ولكن صاحب المسامير غرته الحياة والأموال، في إشارة إلى الرأس مالية التي تستغل الضعف والندرة لرفع الأسعار ومساومة البسيط بالغالي، فأصبح ذا سلطة، فمقابل كل مسمار كيس دقيق، لكن التفاوض ينتهي بحصول النجارين على ثلاثة مسامير فقط، ومقابل كل مسمار تفاحة، فلا الدقيق متوفر لديهم، تلك التفاحة التي يعيش فيها النجارون يومهم الكامل بها، فما إن تصل المسامير حتى تحدث الخيانة بأخذ مسمار أحد النجارين وطرده من لعبة المشاركة، لتبقى نصف ساعة كانت كفيلة بإنجاز الكرسي، ولكن السلطة تقرر إحالة الصانعين إلى المحاكمة بتهمة الفساد!

مضى العمل في الكثير من السوداوية، سوداوية الحياة التي انعكست على مستوى إضاءة العمل، إذ غلب عليه الإظلام والإسقاطات الضوئية الخافتة في أحايين كثيرة، واستذكار رمزية الكرسي مع اختلاف المهن، فلكل كرسي سلطة، كرسي المعلم، وكرسي الحلاق، وكرسي الموظف، وهكذا.

قدم العمل برؤيته الإخراجية أحمد البطل، الذي تولى كذلك صناعة المشهد السينوغرافي، وحاول المخرج ان يخرج من التقليدية ليحقق هدف "التجريب"، محور المهرجان الرئيسي، ليخرج العمل بحلته النهائية، واضعا المشاهدين واللجنة في ملعب الحكام على نجاح التجريب أم لا، من محاولاته عبثية الإضاءة، وكذلك صناعة علبة على علبة المسرح، واقحام الغناء في سرد أنواع الكراسي وسلطة كل نوع، وفي دخول الممثلين، وفي الميكياج الذي لم يكن ذا دلالة واضحة ربما أراد المخرج ان يقول شيئا من خلاله، هذه تساؤلات طرأت على كثير من المشاهدين، فهل تشابهت الإجابات؟

العمل من تأليف أحمد الجابري، وبطولة كل من الفنانين سائد الحضرمي، ريان البلوشي، حمد الرزيقي، عائشة القرطوبية، المنذر السعدي، سارة الجديدية، مكتوب الشكيلي، وجود الحراصية، يوسف المعشري، ردينة الفارسية، محمد الحضرمي، هديل الفليتية، وحواء الشحية، وتولى الصوتيات أحمد الهلالي، والديكور والمكياج والأزياء سارة الشبلية، وتولى مهام مساعد المخرج كل من عبدالله النبهاني والمنذر السعدي.

الجلسة التعقيبية

وفي الجلسة التعقيبية التي أدارها الفنان المسرحي رامي المشيخي، وتحدث فيها معقّبًا المخرج والمؤلف المسرحي جلال عبدالكريم اللواتي، بمشاركة المخرج أحمد البطل، استمر الحديث عن جدلية التجريب، والفرق بين التجديد والتجريب، حيث قال المعقّب جلال إن الإشكالية لا تكمن في العرض بقدر ما تكمن في المصطلح ذاته، متسائلًا عن مدى وضوح مفهوم المسرح التجريبي، وحدوده، ومتى يمكن إطلاق هذا الوصف على عرض مسرحي. وأوضح أن التجريب – من وجهة نظره – لا يعني كسر القواعد من أجل الكسر فقط، بل يفترض وجود سياق مسرحي راسخ يتم الخروج عنه بوعي، مؤكدًا أن غياب هذا السياق يجعل الذهاب إلى "التجريب" إشكاليًا، ويفتح بابًا واسعًا للالتباس في القراءة النقدية.

وتوقف جلال عبدالكريم عند عدد من عناصر العرض، مشيرًا إلى فهمه للفكرة العامة ودلالاتها، لكنه طرح تساؤلات حول بعض الاختيارات الإخراجية، من بينها إضافة شخصية ثالثة مختلفة عن النجارين من حيث الشكل واللباس، ومدلول حضور المرأة داخل هذا السياق، وما إذا كانت هذه الإضافة تحمل دلالة محددة أم جاءت بوصفها عنصرًا بصريًا مغايرًا. كما تطرق إلى توظيف "المذياع" وتحويله من عنصر صوتي رتيب إلى حضور جسدي نابض بالحركة، متسائلًا عن المنطقة الدلالية التي أراد العرض الوصول إليها من خلال هذا التحول. ولم يغفل الإشارة إلى اللغة العربية في العرض، معتبرًا أن كثرة الأخطاء اللغوية تضعف التجربة، ومؤكدًا أن التجريب لا يبرر كسر اللغة ما لم يكن ذلك قائمًا على ضرورة فنية واضحة.

كما شهدت الجلسة عدة مداخلات من الحضور، تلخصت في التأكيد على أهمية التمييز بين مفهومي التجديد والتجريب، والتنبيه إلى أن التجريب من أجل التجريب قد يقود إلى فوضى فنية إذا لم يستند إلى فكرة فلسفية أو حاجة إنسانية واضحة. وأشاد عدد من المتداخلين بجهد الفريق، وبطاقة الممثلين الشباب، معتبرين إشراكهم خطوة إيجابية تسهم في رفد الحركة المسرحية بدماء جديدة، مع الإشارة في الوقت ذاته إلى وجود هنّات على مستوى الأداء، والحركة، والإضاءة، تحتاج إلى مزيد من الاشتغال والتطوير. كما دعا آخرون إلى أن تكون الجلسات النقدية أكثر تركيزًا على تحليل العرض ذاته، بدل الانشغال المطوّل بتعريف المصطلحات، بما يحقق فائدة أكبر للمخرج والجمهور على حد سواء.

وختامًا، قال مخرج العمل أحمد البطل إن تجربة "مسامير الخلود" جاءت بدافع البحث والمحاولة، مؤكدًا أن العمل مع الشباب كان خيارًا واعيًا يهدف إلى منحهم الفرصة للاحتكاك والخبرة، وأن الاختيارات الفنية في العرض انطلقت من رؤيته الخاصة للنص وللفكرة العامة. وأبدى تقديره لكل الملاحظات التي طُرحت، معتبرًا الجلسة التعقيبية مساحة حوار ضرورية لتطوير التجربة، ومؤكدًا أن الاختلاف في القراءة يظل جزءًا صحيًا من الفعل المسرحي، ومحفزًا لمزيد من العمل والتجريب الواعي في المحطات القادمة.