ملتقى يوثق الذاكرة الشعرية والفنون الشعبية العمانية في سوق القناطر بإبراء
وسط سوق القناطر القديم بولاية إبراء بمحافظة شمال الشرقية احتفت أمسية ثقافية شعرية نظمتها مجموعة سبلة القصائد بالشاعرين الراحلين حافظ بن محمد المسكري وراشد بن سلوم المصلحي والمعروف ب "سويري" من شعراء الشعر الشعبي في أمسية حملت عنوان " ملتقى شعراء لا ينساهم التاريخ"، وذلك برعاية سعادة عبدالله بن محمد الحارثي عضو مجلس الشورى ممثل ولاية ابراء، بحضور لافت من المهتمين بالشعر الشعبي من مختلف محافظات سلطنة عمان، وتأتي الأمسية تقديرا لما قدماه الشاعرين من إسهامات شعرية أثرت الفنون الشعبية العمانية والحفاظ على حضورها في الذاكرة المجتمعية، حيث شكلت تجربتهما رافداً للموروث الشفهي الشعبي عبر السنين.
حول تجربة حافظ المسكري
وقدم الشاعر عمر بن مسعود المسكري أحد المهتمين في هذا الجانب ورقتين توثيقيتين، عرف فيها بالشاعر حافظ بن محمد المسكري، تناول فيها نشأته ومسيرته الشعرية ومكانته في الشعر الشعبي العماني حيث قال: نشأ الشاعر حافظ المسكري في بيئة علمية واجتماعية مكنته من حفظ القرآن الكريم والتزود بعلوم الدين، وهو ما انعكس بوضوح في شعره الذي تميز بنفحات إيمانية وثقافة دينية عميقة.
وبين "المسكري" أن الشاعر "حافظ" عرف بكثرة تنقلاته بين المدن العمانية، قبل أن يستقر في مدينة صور، حيث عاش بين مشايخها وشعرائها، ولم تغب مسقط رأسه اليحمدي وولاية إبراء عن ذاكرته الشعرية، إذ حضرتا في عدد من قصائده ومواقفه الشعرية.
كما سلطت الورقة الضوء على ملامح أسلوبه الشعري، الذي اتسم بالسلاسة وسهولة الألفاظ، مع غزارة في المعنى وجمال في الوصف، إضافة إلى تناوله مختلف أغراض الشعر من غزل ومدح وفخر ورثاء، إلى جانب حضوره في المشهد السياسي، حيث وثق في بعض قصائده عدد من القضايا التي عاصرها خلال فترة حكم السلطان فيصل بن تركي.
وتطرقت الورقة إلى علاقات "المسكري" الشعرية ومساجلاته مع عدد من شعراء عصره، منهم الشاعر محمد بن جمعة الغيلاني، والشاعر سعيد بن عبدالله ود وزير الفارسي، و ظل شعره متداول بين الرواة، وحاضر في المجالس، مما جعله واحداً من الشعراء الذين تناقلت الألسن قصائدهم جيلاً بعد جيل.
وأكد المحاضر أن أن الشاعر حافظ بن محمد المسكري يمثل نموذجاً للشاعر الشعبي الذي جمع بين الكلمة الصادقة والالتزام القيمي، فاستحق أن يخلد اسمه ضمن قائمة الشعراء الذين لا ينساهم التاريخ.
حول تجربة راشد المصلحي
كمت تناول الشاعر عمر بن مسعود المسكري في ورقته التوثيقية الثانية تجربة الشاعر راشد بن سلوم المصلحي "سويري" وهو أحد أبرز أعلام الشعر الشعبي العماني في القرن العشرين الميلادي، حيث عرف الشاعر بسعة حفظه وثقافته الدينية واللغوية "في الفقه، النحو، التفسير والتاريخ" وانعكس ذلك على متانة لغته، وعاش فتوته بين قومه وأهله في وادي بني خالد، وتنقل بعدها بين ولايات نحافظة الشرقية، وعاش فترة في ولاية جعلان بني بوحسن، إلا أن أطول فترة قضاها خارج الوادي، تلك التي عاشها في سهل الباطنة.
وبين عمر المسكري في ورقته التوثيقية أن قصائد "سويري" تكشف عن ثقافة أدبية واسعة، حيث يظهر اطلاعه على تراث الشعر العربي الكلاسيكي، ولا سيما شعر المتنبي، إضافة إلى معرفته بكتب التاريخ والقصص التاريخية، وهو ما منح شعره بعد معرفي، تجاوز حدود التعبير الوجداني إلى آفاق فكرية وتأملية أرحب، وأضاءت الورقة التي قدمها "المسكري" على أغراض شعر سويري التي شملت الفخر والهجاء والإخوانيات والغزل والرثاء، وملامح أسلوبه، وما تميز به من وعي ومعرفة.
وأشار المسكري مقدم الورقة إلى أن سويري عاصر عدد كبير من شعراء عصره، وشارك في مساجلات شعرية ومواقف ميدان متعددة، ما جعله حاضر في المشهد الشعري الشعبي بوصفه شاعراً فاعلًا ومتفاعلًا مع محيطه الثقافي والاجتماعي.
وأوضح المسكري أن قصائد الشاعر جمعت في ديوان بعنوان " حداء الساري: ديوان الشعر الشعبي راشد بن سلوم المصلحي"، حيث صدرت طبعته الأولى عام 1988 بجمع وتصحيح وتحقيق محمد بن حمد المسروري، فيما صدرت الطبعة الثانية عام 2015 ضمن منشورات وزارة التراث والثقافة، في خطوة أسهمت في حفظ منجزه الشعري وتوثيقه للأجيال اللاحقة.
وتوقف الشاعر عمر المسكري عند قصيدة "البوم وسيدنا سليمان" بوصفها نموذجاً لافتاً في تجربة "سويري"، وذلك لسببين رئيسيين؛ أولهما أنها تكشف عن سعة اطلاعه، واستحضار الشاعر لهذه القصة وإعادة صياغتها في قالب شعري يدل على قراءته المتعمقة ووعيه بالمصادر الدينية والتراثية، أما السبب الثاني، فتمثل في البعد الأسلوبي والنقدي للقصيدة، حيث أوضح المسكري أن "سويري" استخدم تقنية "أسلوب القناع"، وهي من التقنيات الشعرية التي برزت في الشعر العربي الحديث، بمعنى أن يتحدث الشاعر بصوت شخصية تاريخية أو دينية أو أسطورية، ويعبر من خلالها عن رؤيته وتجربته بطريقة غير مباشرة، مشيراً إلى أن هذا الأسلوب شاع في الشعر العربي الحديث منذ ستينيات القرن العشرين، متأثراً بالشعر الغربي، وبرز عند شعراء مثل بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ومحمود درويش.
وأوضح المسكري أن "سويري" لم يكتفي بتقمص شخصية واحدة، كما هو شائع في أسلوب القناع، بل تقمص أربع شخصيات في قصيدة واحدة، وهي: شخصية البوم، وشخصية الطير، وشخصية النبي سليمان عليه السلام، وشخصية العقاب، حيث بنى حوار شعري متشابك بينها، أدار عبرها خطاب رمزي يحمل دلالات إنسانية ودينية ونقدية.
وبين عمر المسكري أن "سويري" كان شاعراً واعي بقضايا مجتمعه، يتابع الأوضاع السياسية ويتفاعل معها بالشعر، ف "سويري" لم يكن مجرد شاعر مناسبات، فقد ساهمت قصائده في توثيق الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وصورت حركة التنقل بين الداخل والساحل، وأضاءت جوانب مهمة من تاريخ منطقة الشرقية والباطنة في تلك المرحلة. وأكد الشاعر عمر المسكري على أن رحيل الشاعر لم ينهي حضوره، إذ ترك خلفه إرث شعري لا يقدر بثمن، وقصائده ستظل ترددها الألسن.
فعاليات متنوعة
وشهد الملتقى تقديم تعريف بلوائح وقواعد فن الرزحة، قدمها الشاعر ناصر بن راشد الجابري، كونها من أبرز الفنون الجماعية المرتبطة بالشعر والحياة الاجتماعية، وقدم نوايح ولواحن فن الميدان المعرب عبدالله بن صالح الغيلاني، في خطوة تهدف إلى حفظ هذا الفن العماني الأصيل، وتوثيق مفرداته وطرق أدائه. وصاحب الملتقى تعصيرة رزحة بمشاركة الجمهور، وإقامة فن الميدان وفن آمبم وتشحشح.
وأوضح الشاعر الحكم طرماح مدير سبلة القصائد بأنه جرى اختيار ثلاثين شخصية من أبرز مؤدي الفنون الشعبية، مؤكداً أن هذا الاختيار لا يعني حصر الإبداع في أسماء محددة، وإنما يأتي ضمن جهد توثيقي مرحلي، على أن تشمل المبادرات القادمة أسماء أخرى أسهمت في إثراء الساحة الشعبية، وتأتي هذه الفعالية ضمن رؤية تسعى إلى تحقيق الاستدامة الثقافية، وحماية التراث غير المادي، وإحياء الفنون الشعبية، وخلق مساحات تفاعلية تجمع بين الشعر والفنون التي تؤدى به، ومشاركتها مع أبناء المجتمع.
وعكست فعاليات الملتقى تقدير الحضور لهذه المبادرة الثقافية، التي أعادت تسليط الضوء على الشعر الشعبي والفنون المغناة، مؤكدة أن هذا الموروث سيظل حاضراً بجهود من يوثقه ويحتفي به، وينقله للأجيال القادمة ليستمر.
