No Image
ثقافة

تجارب ضوئية تعيد اكتشاف السراج في أفق الفن الإسلامي الحديث

03 يناير 2026
03 يناير 2026

من الذاكرة المعمارية الأولى إلى إيقاع الطبيعة، ومن التجريد الهندسي إلى الأثر القرآني، ومن المادة الهشّة إلى الأنظمة البصرية المعقّدة... الضوء هنا فكرة جامعة تتشعّب عبر الذاكرة والعمارة والطبيعة والروح والزمن ولا يتقدّم كعنصر بصري عابر ولا يظهر المصباح كجسد مادي مكتمل الدلالة، فالضوء مسار طويل من التراكم والإنصات والتحوّل، تتقاطع فيه التجارب الشخصية مع المرجعيات الثقافية ليصبح مساحة للتأمل فيما يربط الإنسان بمحيطه وبداخله في آن واحد. وتتجاور الأصوات الفنية المشاركة في الحديث هنا لتقترح رؤى متعدّدة لمعنى النور ليكون سؤالا مفتوحا.. حيث يتحدّث الفنانون عن أعمالهم كمساحات اختبار للفهم والإحساس، حيث يعيد الضوء ترتيب علاقتنا به، ويقودنا إلى مناطق أعمق من الوعي والسكينة والحضور.

بدايات الذاكرة

بداية تقول الفنانة الإيرانية مايديه تفويزي إن أعمالها تنبع في جوهرها من طفولتها المبكرة في أصفهان، حيث شكّل "مسجد الشيخ لطف الله" أحد أكثر الفضاءات حضورا في ذاكرتها الأولى، فهناك يدخل الزائر دون وعي كامل بما سيقوده إليه المكان، قبل أن يبدأ الفضاء تدريجيا في توجيهه نحو القبلة، عبر انحناءاته المعمارية، وضوئه الخافت، وصمته العميق، فهذه التجربة تعلّمت منها الالتفات إلى ما لا يُسمَع، وإلى ما لا يفرض نفسه مباشرة، بل يُدرَك بالتأني.. فهذا الأسلوب في الرؤية، القائم على الطبقات والسكون، هو امتداد طبيعي للعمارة الإيرانية وللأدب، وللتقاليد البصرية التي لا تسعى إلى الشرح أو المباشرة، بل تنتظر من المتلقي أن يقترب أكثر كي يكتشف المعنى بنفسه.

ومن هذا المنطلق، تفهم في عملها "قبل.. توقف.. بعد" المصباح ليس مصدرا للسطوع أو الاستعراض البصري، بل كائن صامت يراقب ويتذكر دون أن يتكلم، وفي الاستوديو، تصف علاقتها بالطين بأنها علاقة بطيئة، أشبه بحوار طويل، يتطلّب أحيانا "كسب إذن" من المادة نفسها، خصوصا عند استخدام معجون مصري هش، غير متوقع، لكنه مليء بالإمكانات التعبيرية. إلى جانب ذلك، تشير إلى اعتمادها على أدوات رقمية مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد كوسيلة لترجمة زخارف السجاد التقليدي إلى صيغ معمارية دقيقة، متعدّدة الطبقات، تحافظ على الذاكرة وتعيد تشكيلها في آن واحد.

ذاكرة الضوء

وحول علاقة الضوء بالزمن والمكان تشير الفنانة الإماراتية ميثا العميرة أن عملها "تأملات تحت الشمس، من الشمس" يستلهم المشربية كعنصر معماري إضافة إلى الزخرفة فهو دلالة إلى دوره الحيوي في ترشيح ضوء الشمس وتلطيف الهواء، وتخفيف الحدود الحادة بين الداخل والخارج.

وترى "العميرة" أن هذا العمل يقوم على شبكة من العلاقات المتداخلة بين الضوء والزمن والمادة والذاكرة، ففي قلب هذا التجهيز الفني، شكلت شبكة مؤلفة من أربع وعشرين بلاطة جبسية، طُبعت كل واحدة منها بأثر أوراق شجرة مختلفة من البيئة المحيطة، في محاولة لالتقاط الأثر الطبيعي كوثيقة زمنية بعيدة عن الشكل البصري المجرد.

وتوضح أن الهندسة المعتمدة في هذه التراكيب تعود إلى نمط متوارث استُلهم من منزل الجد الأكبر، وهو ما يرسّخ العمل في ذاكرة الأجداد وفضاء العيش اليومي، وبعد صب كل بلاطة، أُعيدت إلى مصدرها الطبيعي، أي إلى الشجرة التي أُخذت منها الورقة، في إشارة إلى دورة العودة بين الأصل والنتيجة.. وقد طُليت الأسطح بمادة "السيانوتايب"، وعرّضت لضوء الشمس المرشّح عبر أوراق الشجر، ومع مرور الضوء، سجّل الزمن أثره مباشرة على سطح الجبس، لتصبح الشجرة في هذه العملية مصدرا وعدسة في آن واحد، تتوسّط الضوء بالطريقة ذاتها التي تفعلها المشربية في العمارة، حيث يُرى الضوء كأثر متراكم.

هندسة الغياب

وفي مقاربة تنطلق من التوتر بين الصنعة والتكنولوجيا يصف الفنان الأمريكي ماتيو شليان عمله "ليس ظلاما، بل غياب للنور" بأنه دقة العمل يدوي لا يقل قيمة عن نجاعة الآلة، بل إن الأدوات والتقنيات كانت منذ بداياته جسورا للإبداع لا عوائق له.. ويشرح "شليان" أنه يواصل هذا المسار بالعمل على مادة اختارها عن قصد الورق، كسطح قابل للتحوّل والحركة، فمن خلاله يبتدع تكوينات نابضة، تتحرك بصريا وتفاجئ المشاهد حيث لا تكون النتيجة ثابتة بقدر ما هي في حالة تشكّل دائم... فاهتمامه لا يتوقف عند الأنماط الشكلية، بل يمتد إلى دراسة عميقة للتصميم الهندسي الإسلامي عبر أكثر من اثني عشر قرنا، وما يتيحه من فهم لتفاعل الضوء والظل، واللون والمنحنى، والمصادفة والحدس، ومن خلال التمسك الصارم بالقواعد الهندسية، يفتح لنفسه أفقا أوسع تتجاوز المادة حدود الورق لتدخل فضاء غير محدود من الاحتمالات.

جوهر الإشعاع

وفي سياق يتجاوز فيه الضوء وظيفته الفيزيائية ترى الفنانة البريطانية باتريسيا ميلنز أن النور هو ما يُشمِس حياتنا ويمنحها معناها ووهجها، وأننا جزء من نظام شمسي تتحوّل فيه الطاقة عبر الضوء، وأن حتى القمر لا يملك ضياءه الخاص، بل يستمده انعكاسا من الشمس، وبدون هذا النور ـ كما تقول ـ لا يبقى سوى الظلام، ويغدو تخيّل الكون أمرا مستحيلا... وتجسّد "ميلنز" هذه الفكرة في تركيبها الفني "نور" من خلال بساطة شكل أبيض نقي، تنبعث منه الإضاءة لتشكّل ظلالا متحركة وتخترق سطحه بهدوء... وتتآلف هذه الأشعة الناعمة مع الطبيعة اللانهائية للشكل الدائري، لتقود المشاهد نحو لحظة تأمل أو توقف في الزمن، تسمح باختبار الصمت الداخلي، وربما الاقتراب من حالة السلام.

حديقة متوهجة

وفي انتقال إلى مقاربة تنبع من إيقاع الطبيعة، تقول الفنانة الإماراتية مهرة الفلاحي إن عملها "توهّج نضر: حديقة الضوء" يعيد التفكير في المصباح خارج كونه مجرد أداة إضاءة مصنّعة، ليظهر كحضور حي وعملية انبثاق مستمرة متجذّرة في العالم الطبيعي. فالضوء، كما توضّح، لا يصدر من نقطة واحدة، وإنما يتشكّل تدريجيا وبإيقاع يشبه نمو البذرة حتى غدوّها ثمرة، في حركة دورية ومتراكمة، تقودها قوى غير مرئية. وتستحضر في عملها مجموعة من النباتات الواردة في القرآن الكريم، مثل الرمان، والتين، والنخيل، والزيتون، والتمر، مقدّمة إياها كحضورات متكررة مرتبطة بالغذاء والاستمرارية وتعاقب الزمن، وتلفت إلى أن تكرار هذه النباتات في النص القرآني يعكس إيقاعها الطبيعي القائم على الموسمية والدوران والدوام. ومن خلال هذا المسار يتجسّد الضوء كمعنى يتكوّن مع الزمن لتغدو التجربة بأكملها حديقة ضوء نابضة بالحياة، تتنفس وتتشكل باستمرار.

ذاكرة المحراب

وفي عمل يحفر في الذاكرة المكانية للصلاة يتحدث الفنان السوري مجد علوش عن "بين طيّات النور"، منطلقا من المحراب كعنصر تشكّل عبره الاتجاه والإنصات قبل تقنيات التضخيم الحديثة، ويشير إلى أن المحراب كان أداة صوتية وروحية توسّع حضور الإمام وتعمّق أثر الكلمة داخل الفضاء، ويتكوّن العمل من قرابة مئتي محراب صغير شُكّلت يدويا من الطين المدكوك بمزج خاص من التربة والأصباغ المعدنية، لتعكس مادّية الأرض وتنوّع الأمكنة والأزمنة، وتُنظَّم هذه المحاريب على أرضية غرفة مكعّبة تتجه جميعها نحو زاوية واحدة متوافقة مع القبلة، بينما ينساب ضوء دافئ من الأعلى ليغمر التكوين كاملا. ويؤكد "علوش" أن العمل يستدعي الذاكرة الجمعية حيث بقي للمحراب ثقله الرمزي وهدوؤه المهيب حتى بعد تغيّر وظائفه العملية.

اتفاق الروح

وفي حديث ينطلق من الداخل تقول الفنانة الجنوب أفريقية الدكتورة إستر ماهلانغو أرسم ما في قلبي، وما يخبرني به قلبي، وأرسم أيضا ما يخبرني به عقلي، لأنني أعلم أنه ينبع من أعماق متجذّرة في الأجداد، وحين يتوافق القلب والعقل، أعلم أن الروح في مكانها الصحيح. ويأتي الرسم امتدادا للذاكرة الجمعية وحضور الجذور القديمة في الزمن المعاصر، فالتجربة الفنيةتقوم على توازن حميم بين العاطفة والعقل، وبين الروح والإرث، وهو توازن يمنح أعمالي صدى يتجاوز الجغرافيا، وحافظ على اتصال الفن المعاصر بالهوية الثقافية الأصيلة. وفي سياق الضوء تقول "ماهلانغو" فكرة المصباح إشارة هداية في حضوره المادي ومعناه المتراكم، فالمصباح، أو الوعاء، يحيل إلى انتقال الحكمة والحكايات والزمن، وهي عناصر متأصلة في ثقافة شعب نديبيلي في جنوب أفريقيا، ومحفوظة في الذاكرة، والقلب، والعقل.

فضاءات متصلة

وفي تأمل فلسفي يتشابك فيه الوعي بالمادة، يقول الفنان الأمريكي إيريك ستاندلي أن كل شيء ينبثق من شيء آخر، وأن الجسد امتداد للوعي، فيما تتحول الذاكرة إلى مساحة مفتوحة للمستقبل، وأن هذه المفاهيم تتجسّد في اللون والفضاء والنمط والشكل، مع حركة ضوئية تكاد لا تُرى، لكنها تُحدث عبر الزمن تحولات مستمرة في الظلال والانعكاسات واللمعان على مستوى دقيق، أما التفاصيل المقطوعة من الورق، وبمقياس قريب من الجسد، فتقدّم شبكة معقدة تستدعي الإدراك والتأمل والحكم البصري، حيث أن هشاشة الورق البنيوية توازي هشاشة الجسد والذاكرة والإيمان، حيث يتنفس الورق الضوء عبر أليافه، فيمتصّ اللون وينقله ويعيده في علاقة متغيّرة مع المحيط.