زاهر المحروقي وتجربته في تقديم التراث الثقافي بزنجبار
03 يناير 2026
03 يناير 2026
محمد بن سليمان الحضرمي -
لم تكن جملة عابرة قالها زميلنا الإذاعي المخضرم، والكاتب زاهر بن حارث المحروقي: «تأخرت قليلا عن زيارة زنجبار»، في حديث هاتفي معه بعد عودته من زيارته الأولى لزنجبار، كان كمن يستدرك موعدًا فاته، لا مكانًا غاب عنه، لكنها برأيي جاءت في وقتها، فالأمكنة الحميمة لا تزار متى شئنا، بل متى تفتح لنا ذاكرتها وتورق محبتها في القلب، وفي زنجبار ومدن سواحل أفريقيا الكثير مما لا ينتهي وصفه، وإلى جانب طبيعتها الغنية بخيراتها وثمارها وكأنها الجنَّة، هي أيضًا خصبة بفنونها، وزاخرة بتاريخها الثقافي والحضاري العريق، لذلك يقول زاهر: إنه تأخَّر قليلًا عن زيارته لزنجبار.
لكنْ الأمكنة كالنفوس، تتجدد وتتنفس الحياة، وإن رحل عنها الناس، فالمعالم تحدِّث عنهم، وما تزال «الحارة الحجريَّة» شاخصة ببيوتها، والمساجد تقام فيها الصلوات، وحتى الأشجار الهرمة في أوراقها نَدًى من ذلك الزمان الجميل، وأشجار القرنفل مخضرَّة، كأن في عروقها بقية من روح السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي (حكم بين أعوام: 1804- 1856م)، أو كأن زهورها تنضح بعطر التاريخ، وأعمدة «بيت العجائب» تسرد أمجاد السلطان برغش بن سعيد (1870- 1888م)، وكأن جدرانه تحفظ صدى حكمه، والصحافة العمانية رأت النور في عهد السلطان خليفة بن حارب البوسعيدي (1911- 1960م)، وقرأ الناس صحيفة «النجاح» و«الفلق»، ليُكتَب عهد ثقافي جديد في هذا الشطر الإفريقي الجميل.
وجد زاهر المحروقي في زنجبار ضالته المنشودة، من التراث الثقافي والحضاري العُماني، المتواري عن أنظار الباحثين، والذي لم يكتب عنه، أو ظهر مكتوبًا كإشارات وإلماحات فقط، فعاد إليها من جديد، باحثًا عن التراث الثقافي والحضاري العماني في هذا الجزيرة، وبحسِّه الإعلامي رأى تقديمها من جديد في مقاطع مرئية، تصل إلى المتابعين عبر هواتفهم المحمولة، وفي هذه الزيارات صحبه أستاذنا سيف بن سعود المحروقي، رئيس التحرير الأسبق لجريدة عُمان، وإذا كانت تجربة زاهر ظهرت في الكتابة والحديث المرئي، فإن أبا طارق أخذ على عاتقه دور التصوير، ومنتجة المقاطع التي صوَّرها، وإضافة لمسات إثرائية عليها، في زيارات تكررت وتتالت وتقاربت، فتوثَّق عملهما بحكم الاهتمامات الإعلامية المتقاربة.
بدأت أول زيارة لهما في شهر ديسمبر عام 2024م، استقبلهما أهل زنجبار والعمانيون المقيمين فيها، وسهَّلوا لهما زيارة الأمكنة التاريخية، من بينهم الشيخ ناصر بن سعيد الرواحي، المقيم في الجزيرة الخضراء «بيمبا»، مؤسِّس «كلية سمائل للعلوم والصناعة»، والمشرف على بناء 40 مدرسة لتعليم وتحفيظ القرآن الكريم و15 مسجدًا، كانت زيارة اكتشاف للوجود العُماني في الفردوس الأخضر، وكان زاهر يعرف موقع كل معلم أثري قرأ عنه، وحين وصل إلى منطقة «فُرُوضَانِي» بساحلها المُوحِي بالكثير من الذكريات، وهي من بين أشهر الأمكنة السياحية فيها، أخبر من كان في صحبته، أنَّ «بيت العجائب»، لا يبعد سوى خطوات معدودة، فقال له: وكيف عرفت ذلك؟ فرد عليه: أعرف موقع بعض المعالم، وعشت فيها بوجداني، وبقي فقط أن أراها بعيني.
مثل هذا الحب للمكان، أنتج عملًا ثقافيًا لم يكن يخطر في البال، إذ بعد عودته بدأ في كتابة ونشر المقالات عن زياراته اليومية داخل زنجبار وما حولها، بطرح سردي سلس، يوثق مشاهدات عينية، وليست قراءة من كتب، فكل مقالة نشرها، هي من وقوفه على التفاصيل في تلك الزيارة، وتطوَّرت فكرة الاستمرار في الكتابة أكثر، بعد زيارتهما الثانية في شهر أبريل من عام 2025م، ليقف زاهر وزميله أبو طارق، على أمكنة يهفو القارئ إلى معرفة المزيد عنها، فكتب عنها كما أملته تلك الأمكنة، وما باحت له من معلومات تاريخية وثقافية، وتعرُّفه على شخصيات عمانية، كان لها دور كبير في إثراء الحضور العُماني، من خلال حراكها السياسي والثقافي والاجتماعي والتجاري، في مجتمع تتكامل فيه أنماط الحياة، وحياة تمتد إلى قرون بعيدة، وهذا الحضور أكثر من أن تستوعبه دراسة، أو تحويه صفحات كتاب، لأنه ضارب بجذوره في تاريخ عميق وعريق.
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي في نظام الهواتف الذكية، بدأت تنتشر مقالات زاهر، مسجلًا خطواته وزياراته في هذه الجزيرة الملهمة، جزيرة زنجبار، وكانت تصلني إلى هاتفي، فصرت أقرأ ما يَنشُر من مقالات كتبها عن هذه الزيارة، لما يمتلكه من سرد جَذَّاب، وتوظيفه للتفاصيل المهمة، بأسلوب يأخذ بمجامع القلوب، كمقالته «زنجبار حَتمًا هذه الفاكهة من الجَنَّة»، نشرها يوم الاثنين 6 يناير 2025م، بعد عودته الأولى من زنجبار، وبعد أسبوع نشر مقالة: «الطريق إلى زنجبار»، ثم مقالة: «هذا ما يقوله الإنجليز، فلماذا لا تكتبون أنتم؟»، ثم مقالة: «أخيرًا نحن في زنجبار»، وكان يتتالى في نشره لمقالاته كل أسبوع، وصار القارئ يتابع تنقلاته بين خمائل زنجبار، ويتعرَّف على تراثها ومعالمها السَّاحرة.
كتب زاهر بسردية جذبت إليها القارئ، بجِدَّة الفكرة التي يتناولها، من بينها مقالته عن زيارته لـ«بيت المَدْفَع»، الذي زاره والده من قبل، بضيافة كريمة من الشيخ هاشل بن راشد المسكري (ت: 1968م)، وهو ناشط سياسي وصحافي وأديب، وكان دخول زاهر لهذا البيت بمثابة استعادة لذكرى قديمة، رأى فيها طيف والده وهو يدخل البيت، لذلك وضع لمقالته هذا العنوان: «في البيت الذي يَنكأ الجراحات القديمة».
وتتطور الفكرة لديهما، أعني زاهر وسيف، ويخصِّصا الزيارة الثالثة التي قاما بها في شهر ديسمبر 2025م، بتسجيل 35 مقطعا مرئيا، ظهر فيها زاهر المحروقي متحدثًا في تلك المقاطع، ليعود صوته من جديد إلى الأسماع، بعد غياب سنوات عن «المايك» الإذاعي، فيما وقف أستاذنا سيف المحروقي خلف العدسة، كمصور للمقاطع، وممنتج لها، موظفًا خبرته الإعلامية التي اكتسبها خلال عمله السابق في التلفزيون قبل أن يلتحق بجريدة عُمان.
وتابع الناس تلك المقاطع المرئية الموجزة، التي سلطت الضوء بالصورة والحديث التلقائي المباشر، على أمكنة لها ذكرى حميمة للعمانيين، وشهدت أحداثا جسيمة، كحديثه عن المناضل بشير بن سالم البرواني الذي أعدمته ألمانيا شنقًا في 15 ديسمبر 1889م، وأسماه في مقالة كتبها عنه «عُمَر المُختار العُماني»، وكأنه يرثيه سردًا كما رثى شوقي عمر المختار شعرًا: «رَكزُوا رُفاتَكَ في الرِّمالِ لِواءَ»، أما بالنسبة لي فكان الأقرب إلى نفسي، تصويره وحديثه عن بيوت ومساجد العلماء والمؤرخين، كالشيخ سعيد بن علي المغيري (ت: 1962م) صاحب كتاب «جهينة الأخبار»، وتصويره لمسجد الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي (ت: 1848م) الذي عاش في زنجبار عشرين عامًا، ولا يزال ضريحه فيها يروي قصة عالم كبير في السلوك الصُّوفي، أثرى المكتبة العُمانية بالكثير من المؤلفات النفيسة.
لقد حظي المحتوى الذي قدَّمه زاهر وسيف، بمتابعة من الناس عبر شاشات الهواتف الذكيَّة، وهو عمل يقدِّم رسالة مهمة إلى كل من يستقبلها، وكأنهما اكتشفا من جديد مدينة عاش فيها العمانيون ردحًا من الزمن، وفي الحقيقة هما اقتربا مما كان يظهر في كتابات المؤرخين والباحثين كإشارات عابرة فقط، وبالأخص تلك الأمكنة التي عاشت فيها شخصيات شهيرة، نسمع عنها ولم نقف على أطلالها، كالنافذة التي كانت تطلُّ منها «السيدة سالمة» قمر زنجبار، فبدت «تلوحُ كباقِي الوَشْمِ فِي ظاهِرِ اليَدِ»، أو كأنها «زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَها أقلامُها».
تُرى ماذا لو حلمنا أكثر بتأليف «موسوعة» رصينة، توثق التراث الثقافي والحضاري العُماني في زنجبار وسواحل أفريقيا، الممتدة إلى أرخبيلات جزر القمر الغائصة في البحر، والمدن التي سكنها العُمانيون في كينيا، مثل ممباسة وماليندي ولامو، وصولًا إلى أبعد مدينة سكنها العمانيون في بلدان السَّواحل، بالتأكيد سيكون عملا بحثيا مهما.
محمد الحضرمي صحفي وكاتب عُماني
