No Image
ثقافة

جابر عصفور يشخص أزمات النقد المعاصر

03 يناير 2026
03 يناير 2026

إيهاب الملاح -

(1)

أربع سنوات مرت على رحيل الدكتور جابر عصفور (1944-2021) أستاذي الجليل صاحب التأثير الأعمق والأهم والأرسخ في عقلي وتكويني العلمي والنقدي، والذي رحل عنا في 31 ديسمبر من العام 2021.

أربع سنوات لم يغب فيها أبدًا عن خاطري ووجداني، كل ما قرأته وجمعته وفهرسته له حاضر ومتجدد يناوشني حينا، ويتداركني حينا ويقسو عليّ أحيانا، وينقذني من الاستسلام لليأس والإحباط دائمًا.. لكني أومن أن عمل الإنسان وسيرته وما تركه من علم أو فكر أو معرفة سيظل من بعده شاهدا له أو عليه.

لم أكن أعلم أن تأثير جابر عصفور في عقلي وتكويني بهذا العمق.. اكتشفت فجأة وأنا أعاود قراءة كتاب من كتبه المهمة (وكلها مهم وعميق وأصيل) أنني أعايش نصوصه وأفكاره، وعواصفه وزوابعه، وقضاياه الكبرى التي انشغل بها (وأنا هنا أتكلم بشكل أساسي عن جابر عصفور الأستاذ الجامعي والناقد العملاق والمفكر التنويري الجسور) منذ ما يزيد على ربع القرن..

أصحاب القيمة والمنجز الأصيل الحقيقي، تتجدد ذكراهم ويتوهج حضورهم بتجدد قراءتهم ومعايشة نصوصهم ومساءلة أفكارهم، وجابر عصفور الناقد العملاق والمفكر الكبير واحد من هؤلاء، وأندهش من هذه القدرة الحية على طرح الإشكالات ومساءلة النظريات وتأطير القضايا والموضوعات بمثل ما كان يفعل جابر عصفور!

وأنا أعيد قراءة كتاب «تحديات الناقد المعاصر» وهو من أهم كتبه وأخطرها التي صدرت في السنوات العشر الأخيرة، اكتشفت أنه مر مرور الكرام ولم يقرأ كما ينبغي على خطورة وأهمية ما طرحه جابر عصفور وما قدمه من تحليلات ورؤى «نافذة» حول تحديات الناقد المعاصر وطرق مجابهتها، وقد كان واعيا تماما بضرورة تحديث هذا الطرح وتجديده في طبعة جديدة، لكنه رحل قبل أن ترى النور.

(2)

صدرت الطبعة الأولى من كتاب «تحديات الناقد المعاصر»، للمرحوم الدكتور جابر عصفور، في سنة 2014 (عن دار التنوير بالقاهرة)، وكان يمثل آنذاك الحلقة الأحدث ضمن مشروعه النقدي التأصيلي، لدراسة إشكاليات النقد المعاصر، والتحديات الحقيقية التي تجابه «الناقد» في ضوء متغيرات العصر والتحولات المذهلة في دنيا الاتصالات والمعلومات، وكذلك في ظل الانفجار المعرفي الحاصل في جميع فروع الدراسة الإنسانية والطبيعية على السواء.

وفي 2019 بدأنا الإعداد لطبعة جديدة محدثة ومنقحة ومزيدة؛ خاصة في ظل السيولة الرهيبة في العالم المعاصر، وفي ضوء المتغيرات الجذرية التي حدثت على امتداد كوكب الأرض بوجه عام، وفي عالمنا العربي بوجه خاص، كان لا بد من إعادة النظر في واقع الحياة الثقافية والأدبية، وعلى رأسها النقد الأدبي، من حيث وظائفه وعلاقته بأوجه الواقع المختلفة، وذلك على نحو يكشف لنا عن التحديات التي يواجهها الناقد، ويجب عليه مواجهتها والتصدي لها بالتشخيص والتحليل في آن.

أهم هذه التحديات، في تقدير جابر عصفور، ثلاثة؛ أولها التحدي النصي، وثانيها التحدي المنهجي، وثالثها التحدي الاجتماعي والسياسي، ويلحق عصفور بهذه التحديات الثلاثة تحديًا رابعًا أسماه «التحدي الثقافي».

عندما نتحدث عن التحدي الأول، فإننا نصبح في مواجهة النص الأدبي الذي هو مجال عمل الناقد، سواء كان هذا النص شفاهيًا أو كتابيًا، عاميًا، أو فصيحًا: مقسمًا على أجناسه أو أنواعه التي تشمل المسرح والرواية والشعر، فضلاً عما أصبح يطلق عليه «نص» فحسب، بالتنكير أو التعريف، وهو نوع من الكتابة الأدبية المتحررة من قيود الأنواع أو الأجناس، ولا هدف له إلا خلق كتابة موازية أو معبرة عما يشعر به كاتبها في موقف من المواقف.

ويعترف عصفور أن الناقد الأدبي ظل يهرب طويلاً من مجال عمله النوعي، وهو النص، إلى مجالات أخرى سياسية أو اجتماعية، متجاهلاً النص من حيث كونه نقطة البدء والختام لعمله والفضاء الحقيقي الوحيد لممارسته التطبيقية أو حتى تنظيراته التي تعرض لهوية النص الأدبي وحدوده وأجناسه على السواء، فمن الثابت والمؤكد أن «النص الأدبي هو مهنة الناقد ومجاله الاحترافي».

ويوضح عصفور، أنه وكما يلتزم الجراح بالجسد الذي يجري عليه وفيه عملياته الجراحية، فإن الناقد ملتزم بالنص الذي يجري عليه ممارساته النقدية، وفي هذا المجال لا بد من تحديد الفارق بين وجهات نظر التيارات النقدية المختلفة في فهم النص ذاته وعلاقاته بالعالم.

(3)

في مقدمته التأصيلية المفصلة يستعرض الدكتور جابر بأستاذيته واقتداره تعدد المفاهيم والمداخل المتنوعة لمعالجة النص الأدبي، والنظر إلى ماهيته ووظيفته، منطلقا من تصورات أصحاب مدرسة النقد الجديد (ت. س. إليوت/ إيفور إيفانز/ إي. آي. ريتشاردز/ كلينيث بروكس.. وآخرين)، والشكلية الروسية (رومان ياكبسون/ فيكتور شكلوفسكي/ يوري لوتمان/ وبوريس أيخنباوم.. وغيرهم)،

مرورا بأصحاب المنهج الاجتماعي، والبحث عن رؤية العالم في النص (جورج لوكاتش)، متطرقا إلى مناهج البنيوية التوليدية (لوسيان جولدمان)، والماركسية التقليدية والماركسية الجديدة، وصولا إلى نظريات الحداثة وما بعدها، البنيوية والتفكيك والسيميوطيقا والهرمنيوطيقا ونظريات القراءة والتلقي.. إلخ.

والحق أن كل ما أورده عصفور -في هذه المقدمة النظرية الكاشفة- هو محاولة لتعديد مفاهيم النص المتغاير بتغاير المداخل التي نلج منها إليه، أو تعدد العدسات التي نتطلع من خلالها إلى النص. وهو ما قاده في النهاية إلى تحدي المناهج التي تتخذ شكل السؤال: ما المنهج الذي يختاره الناقد ويرتاح إليه، ويرى فيه خير طريق يقوده إلى روح النص الأدبي والكشف عن أسراره أو كنوزه التي تظل دائمًا في حاجة إلى الكشف؟

يقول جابر عصفور إن الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة، وهي تعتمد على درجة ثقافة الناقد ونوعها والمدى الذي يمكن أن تتيح له منظورًا أكثر شمولاً ووضوحًا وعمقًا في آن. مضيفا إلى ذلك استقلال فكر الناقد الشاب على وجه الخصوص وقدرته على وضع كل المناهج بمداخلها المختلفة موضع المساءلة التي تقرن بين النظري والتطبيقي من إنجازات كل منهج.

ولا ينفصل عن ذلك الوعي بأن قيمة النظرية النقدية، أو منهجها، لا تعتمد على الإغواء البراق بوعود كثيرة قد لا تتحقق في فعل التطبيق، فالأهم من ذلك هو الرؤية النقدية، رؤية المساءلة للمنهج بما لا يفصل بين تنظيراته وتطبيقاته، فإذا وجد الناقد الشاب ما يجيب على أكثر أسئلته الحاضرة، وما يمكن أن يجيب على أسئلة محتملة خلال الممارسة النقدية، فإن هذا المنهج يغدو بالتأكيد أفضل من غيره، وأولي بأن يختاره هذا الناقد الشاب أو المبتدئ.

ويشدد عصفور على فعل المساءلة وضرورتها، مشيرا إلى أن هدفه من ذلك التشديد هو «تجنيب الناقد المبتدئ غواية التقليد أو الموضة، فمن الخطر كل الخطر أن يندفع هذا الناقد إلى الاختيار نتيجة رغبته العفوية في تقليد أساتذته أو النقاد الكبار في عصره، أو يسير في الاختيار وبوصلته هي ما يسود أو يشيع، فإن هذا الناقد، أو من فعل ذلك، لن يحقق إنتاجًا نقديًا مؤثرًا أبدًا، وأيًا كان حظه من النجاح فإن هذا الحظ لن يعدو أن يكون صوته النقدي صدى لغيره، لا جدة ولا نضارة فيه».

(4)

إن الممارسة النقدية، كما يفهمها ويلح عليها عصفور، هي حالة إعادة صنع لا يتوقف لمبادئ المنهج. ويرى أنه لا بأس على الناقد المبتدئ أن يختار ما شاء من مناهج، ويوظف المنهج الذي اختاره على نصوص، لكن على نحو مرن، يعيد فيه الناقد إنتاج المنهج في كل مرة من مرات الممارسة، فهو لا يأخذ قواعد صماء يطبقها كما هي كل مرة، فكل مرة تختلف عن غيرها في نوعية الأعمال الأدبية التي لكل واحد منها خصوصيته التي تجعل منه أشبه بالبصمة غير القابلة للتكرار. إن الناقد المثالي هو الذي يجعل لمنهجه الواحد مجاله الخاص في كل مرة يمارس فيها عملية النقد التطبيقي.

«تحديات الناقد المعاصر»؛ كتاب مهم يطرح الأسئلة بقدر ما يواجه الإشكاليات بجسارة وصراحة وإقرار بواقع الأزمة؛ أزمة النقد والنقاد المعاصرين.

إيهاب الملاح كاتب وناقد مصري