جلسة شعرية في متنزه العامرات تحتفي بالشعر الشعبي وتستحضر أجواء الماضي ضمن فعاليات ليالي مسقط
شهد متنزه العامرات ضمن فعاليات ليالي مسقط أمسية شعرية مميزة ضمن فعاليات الشعر الشعبي، بحضور عدد من الشعراء والمهتمين بالشعر الشعبي وجمهور المتنزه الذين التفوا حول الجلسة وتفاعلوا مع كلمات الشعر، في أجواء جمعت بين عبق المكان وأصالة الكلمة، حيث انطلقت الجلسة الشعرية بأبيات الشاعر أحمد بن خلفان الغسيني مدير الجلسة، التي عبر فيها عن أهمية اعتزاز الشاعر بالتراث والشعر الأصيل، فقد بدأ بالترحيب بأهل الشعر وفنونه، في إشارة إلى تقدير مكانة الشعر والشعراء بوصفهم حماة الكلمة والهوية قائلاً:
يا مرحبا بأهل الشعر وفنونه...عد هملول السحب ومزونه
يحيو تراث عقد مضى ولحونه...موروثنا يوجب علينا نصونه
مؤكداً بأبياته على أن هذا الموروث ليس مجرد ذكرى، بل أمانة ومسؤولية، توجب علينا المحافظة عليه وصونه من الاندثار، لأنه يمثل جزء أصيل من الهوية الثقافية والانتماء.
وشارك في هذه الجلسة نخبة من شعراء الشعر الشعبي، يتقدمهم الشاعر عبدالله بن عامر الغنيمي، الذي غنى أبياته بأسلوب فن الرزحة قائلاً من نوينا على الله اتكلنا ... صوب العامرات يا اهل الفخر
ونسايم العطر نفت علينا ... خوخ ورمان وباقي الشجر
بعدها رحب الغنيمي بالحضور، مؤكداً أن حضورهم يمثل مصدر بهجة وسعادة حقيقية لأهل المكان، مشيراً إلى أن قلبه ممتلئ بالبشاشة والسرور بوجود هذا الجمع، الذي ألتف حول خيمة الشعر، ومتمنياً استمرار هذه اللقاءات، ومشيداً بمن لبوا دعوة الحضور بمحبة وليس بتكلف، معتبرًا ذلك دليل على الوفاء وصدق العلاقات، قائلاً في قصيدته:
بردد به سلامي كل ساعة ... سلام يشفي القلب الحزين
بلطف من سخاوة وانطباعه.. نرحب بالضيوف الزائرين.
وقلبي به بشاشة على الرباعة ... يدوم اللي لفونا عانين
بدعة أمثال شعري باندفاعه .. ألبي دعوة المتجملين
في حفل زان بالفرح اتساعه... قليل اللي اتوا متعذرين
واستعرض بعدها الغنيمي محاورة شعرية شهيرة جرت قديماً في ولاية صور، جمعت الشاعرين المعروفين حافظ بن محمد المسكري وراشد بن حمد الدهمشي العريمي، حيث تم تقديمها كنموذج حي لفن المحاورة القائم على سرعة البديهة، وقوة المعنى، والالتزام بالوزن والقافية.
وأبدع الشاعر سليم بن مبارك الحارثي في غناء قصائده واستمتع الحضور بألحانه، حيث قدم الحارثي قصائد تنوعت بين الوطني والغزلي، عبر فيها عن مشاعر الانتماء والوفاء، ولكنه بدأ الجلسة بأحد قصائدة الغزلية القديمة التي كان عنوانها "لوعة الغرام" تلبية لرغبة الجمهور، التي بدى لي أنهم قد سمعوها مسبقاً وأصروا على الاستماع إليها في هذه الجلسة قال فيها:
لا تظن المحبة للمولع رويحة.... المحبة بليه تتعب العاشقين
اشوف كل الخلايق تشتكي لي جريحة ... دمعتي في خدودي معلمه جانبينه
أشهد الابتلاء بعشق حلوة مليحه... لازم (ن) يعترض ما بينهم مغرضين
وكم عاشق رقص شروات طير الذبيحة... نار ترعى الاكباد وأما قلبه طعين
والله حتى أهل المناصب والعقول الرجيحة .. يقولك فوادي في يد حبي رهين
لو يقاوم وداده بدمع عيني يبيحه.. ولين تكلم تنهد من فؤاده الحزين
لا تلوموا المولع بالعبارة الصريحة .. للمشاعر مبادئ تحكم المبتلين
يا سامعي ختمت قولي بالحروف الوضيحة... هذي جملة تجارب من خفايا السنين
وهذا أمر مثبت في الكتب والصحيفة... الحارثي في مثاله بالحكم مستعين
استغفر الله كان قلبي استميحك. .. ان كنت مخطي يا ربي أقول اني من التائبين
بعدها انتقل ناقل الصوت الى صوت البادية الشاعرين مسلم الحكماني وجابر الحكماني الذين تشاركوا أداء فن التغرود وشاركهم في عزف الربابة راشد بن حميد المشايخي، ويعتبر فن التغرود من أقدم الفنون الشعرية الشعبية في سلطنة عمان، حيث ارتبط هذا الفن بحياة البادية والترحال في الصحراء، ويؤدى على شكل أبيات شعرية قصيرة ينشدها الشعراء بصوت مترنم يتماشى مع إيقاع سير الإبل، بهدف التخفيف من مشقة السفر وبث الحماس لدى الرحالة، وشاركنا الشاعرين أدائه ضمن فعاليات جلسة الشعر الشعبي مؤدين كلمات الشاعر مسلم بن سعيد الحكماني في قصيدته "حب الوطن" :
غردت واشل المثال ابفنه ... تغرود لا طارق ولا هو ونه
وحب الوطن صادق ولا شي هنه ... في ناظري دايم اشوفه جنه
اخلص لأرضه والوفاء معطنه ... في ظل قائد بالأمن حامنه
بخيرات جوده هالوطن كاسنه ... الفعل شاهد ويتكلم عنه
كما قدم الشاعر حمود بن علي الرواحي قصائدة بأسلوب الفن الشعري المعروف ب "المسبع" قائلاً في أحد قصائده:
عادت ليالي الفرح في مسقط الخيرات
بالانس والخير فيها اسعد الأوقات
والكل مسرور يقضي أطيب الساعات
ولي زار مسقط تهنا وصار له مسرور
أجواء مسقط جميلة مشعشعة بالنور
مجد وحضارة على مر الزمان تنور
وباللي وصل عندنا منا يله تحيات
...
لن زرت مسقط تشاهد قصرها الغالي
قصر العلم في ربوع العاصمة عالي
وميناء قابوس في مطرح على بالي
والجامعة في ربوع السيب مشهورة
وبوشر بها الجامع المعروف في الصورة
والعامرات اعتلت واليوم معمورة
ولا قريات صرها دوم تحلا لي
وجسدت أبيات الرواحي صورة لمدينة مسقط، حيث استحضر أجواء الفرح والأنس التي تعيشها العاصمة مسقط بفعاليات ليالي مسقط، ويصفها كمدينة تحتضن زوارها بكرم ومحبة، ويأخذنا في قصيدته بين معالمها وقصورها ومؤسساتها ورموزها العمرانية، من قصر العلم بوصفه رمز سيادي وتاريخي، إلى ميناء السلطان قابوس في مطرح لما يحمله من بعد اقتصادي وتراثي، مرورًا بجامعة السلطان قابوس كأكبر صرح تعليمي، إلى جامع السلطان قابوس الأكبر في ولاية بوشر، وصولًا إلى ولايات العامرات وقريات.
فيما قدم الحكم طرماح قصيدة وطنية بمناسبة الحادي عشر من يناير قال في منتصفها:
الحـادي عشـر يوماً مجيداً عدنا... ف قلب العماني مخلده ذكـراه
يلـك الـولاء مـنـا الـوفـا يـا عزنـا ... ارواحـنـا تـفدى وطـننـا و تفداه
دونك سيوف انسلها من غمدنا ... بيـدينـنا نقـطع رقـاب الـي عداه
المـعـتـدي ذلــه هـنـا فـي دارنـا ... حن دارنا تعرف له العادي بدواه
عشـنا ب وحده مـا تقسم شفـنا ... دينـنـا ديـن التـصـالـح و النجـاه
للاخـــره نــعـمل و نـرضـي ربـنا.... و نحـب دنيـانـا و نكـدح للحيـاه
بتـشوفنـا صفـاً كـذا ف محرابنا ... مـاشي خلافه مـوحدين الاتجـاه
الـرب واحـد و العـقـيدة تدلـنا .... انه تـراب سجـودنا افضل عبـاه
وقد أضفت الخيمة البدوية في القرية التراثية بعد جمالي خاص على الجلسة، حيث انسجمت الأجواء التراثية مع الشعر الشعبي، ليشكلوا معاً لوحة ثقافية متكاملة أعادت إلى الأذهان مجالس الشعر القديمة، التي كانت تقام فيها مثل هذه التجمعات. وعبر الحضورعن إعجابهم بالمستوى الشعري والتنظيم المميز، مؤكدين أهمية إقامة مثل هذه الجلسات التي تساهم في الحفاظ على الشعر الشعبي وتعزيز حضوره، ووجوده كمساحة للتلاقي بين الشعراء لتبادل التجارب، في إطار يعكس ثراء الموروث الثقافي العماني وأصالته.
