لا تؤذِ نفسك.. فلا شيء يستحق!
18 يونيو 2026
18 يونيو 2026
عبدالعزيز الحكماني
من الإيجابية التي تُذكر كثيرًا في مجالس الناس أن يظل الإنسان متيقنًا بأن الحياة لا تأتي على وجه واحد، وأن الظروف وإن قست فإنها لا بد أن تتلاشى بظلمتها وقسوتها، وأن ثمة فجرًا قادمًا يحمل شيئًا من الرضا وتطيب له النفوس الحزينة.
هذا ليس من الشعارات والتطمينات، ولكنه سر من أسرار الحياة، كقول الإمام الشافعي - رحمه الله -: «ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرِجت.. وكنت أظنها لا تُفرج».
من المتعارف عليه أن العيش تحت الضغط لا يكتفي بإرهاق الجسد وحده، وإنما هو عامل مهم يتسلل إلى أعماق النفس البعيدة من أجل أن يعيد تشكيل ملامح الروح بشكل آخر جديد، وهذا أيضًا ليس ضربًا من الخيال، وإنما هو الواقع الذي يعيشه الناس في حياتهم.
الحياة، وإن كنا نراها أحيانًا مليئة بالوجع والخسائر المتلاحقة والشدة التي تحبس الأنفاس، ونظن الظنون بأن الدخان المتصاعد في أجواء الأماكن المغلقة والمفتوحة لن ينقطع، فهذا هو الوهم بعينه، تمامًا كمثل الهموم والأوجاع؛ تأتي ثم تذهب إلى حال سبيلها، فالله تعالى يزيح عن صدورنا كل أو بعض ما نعاني منه من ألم.
في علم النفس يقال: «الإنسان حين يُحاصر بالضغوط المستمرة تبدأ آليات الدفاع الداخلي بالعمل، فيتقمص سلوكيات لا تعكس جوهره، ويُظهر طباعًا لم تكن جزءًا من شخصيته الأصلية».
الإيجابية في نظر المتفائلين هي أن تخبر نفسك أولًا والآخرين من حولك بضرورة أن نتمسك بخيوط الأمل حتى النهاية، فالله تعالى مطّلع على عباده وهو القادر على أن يُحدث بعد ذلك أمرًا.
البعض يصاب بخيبة أمل كبرى من بعض المواقف التي تعترض طريقه، ولكن النصيحة التي سمعناها كثيرًا تقودنا نحو سبل الخير وألا ننتظر المقابل من أحد، وأن ندرك تمامًا أن العطاء رسالة محبة، وليس تبادلًا للمصالح.
تعلّمنا على مدار السنين الماضية، سواء من التجارب السابقة أو غيرها، أن نتفاءل عندما تصعب علينا الأمور، فإن الله أكد مرتين في كتابه العزيز بقوله: «فإن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا».
لذا من الواجب ألا يؤذي الإنسان نفسه بالكآبة والحزن أو التقاط العثرات كما يلتقط الحصى من الأرض، فمن الغرائب المتعارف عليها أن الإنسان يقضي ثلثي حياته يلاحق ما نظنه مكسبًا بظلمه للناس، ثم يكتشف أن ما بقي من أعماله في ذاكرة الناس ليس ما قدمه لهم، بل ما تركه وراءه. فالأثر بعد الرحيل لا تصنعه كثرة الكلام، بل صدق المواقف وأنبلها، ولا تصنعه طول السنين، ولكن ما يخرج من يدك قد يفنى، أما ما يخرج من قلبك بإخلاص فيبقى راسخًا في الأرض لا يموت، إذًا هي فلسفة لا يعرف حدودها الكثير من الناس، لذلك يوصينا العقلاء بأن نجعل لنا في هذه الدنيا أثرًا طيبًا يُذكر، لا مجرد مرور يُنسى مع الأيام.
هناك فلسفة أخرى ما بين المكسب والخسارة في العلاقات الإنسانية، فليس كل قرب مكسبًا، وليس كل رحيل خسارة فادحة، تمامًا مثل بعض الأبواب إذا أُغلقت كانت رحمة من الله علينا.
من الدلائل الأخرى التي علمتنا إياها الحياة أن ثمة أمورًا توجعنا مرة وتمضي، وأخرى توجعنا كل يوم وتبقى، وتفسير ذلك أننا لا نسعى إلى الخلاص من أحزاننا، بل نجاهد أنفسنا ونكابر حتى تبقى قابعة في أعماقنا كظل يلاحقنا طول النهار حتى تغيب الشمس.
من لطائف القول وعمق الرؤية في هذا الوجود ما أكده النجباء وهو أن الضغط النفسي يعد قوة قادرة على تشويه الانسجام الداخلي للإنسان، فيحوّله إلى نسخة متعبة من نفسه أولًا ومن الآخرين ثانيًا وعاشرًا، فالبعض يبحث عن متنفس يعيد للروح حقائقها الضائعة ويتخلص من محبسه الدائم، وآخر يظل قابعًا في مكانه ينتظر المعجزات أن تأتي في زمن تلاشت فيه المعجزات.
لذا لا تؤذِ نفسك، فليست كل التضحيات في نظر الآخرين بطولات، وإنما بعضها تكون أنت فيها الضحية على حساب نفسك.
