حين أعادني الخوف إلى نفسي
منذ سنتين بعدما عيّنتُ في رئاسة ذلك القسم الإداري، وقد اتخذت قرارًا لا رجوع عنه، أنّ الأمور لن تسير كما أريد إلا بالشدّة، والأوامر لا تنفّذ إلا بالتهديد والوعيد لمن هم دوني، ألغيت من قاموس إدارتي الجانب الإنساني، حتى ذلك الموظف الذي طلب منّي يوما آخر ليتجاوز صدمة فقده أحد أعزائه، قابلته بالرفض، كانت الأوامر بالنسبة لي من آمر إلى مُنفّذ، لا حياد عن ذلك.
ذات مساء، بعد نصائح الطبيب بعدم ترك الرياضة، خرجت لممارستها في مكان فسيح، وعند انتصاف الطريق، وأنا أمشي، بلغت بعض الشجيرات، وقد نال منّي التعب قليلا، ولكن ما زلت مواصلا المشي، وما هي إلا لحظات إلا وتبعني كلب نال منه الجوع والعطش، وكلمة شرس قليلة في حقّه، فصوته يدلّ على أنّه عازم على نهش جسدي المرهق، جرى خلفي بكل شدة، سمعت صوته، اقترب منّي بسرعة، أصابني خوف شديد جدا، وقف شعر جسدي من رأسي إلى قدمي، كان الموقف مخيفا جدّا، المكان بعيد وأنا وحيد، ولا منقذ في هذا الموقف المرعب، فكرت بالركض، ولكنّ الإرهاق سرى في جسدي، فعند قطعي لمسافة بسيطة سوف يدركني وأسقط، فيفترس قطعة من لحمي، فكرت والعرق يتصبّب من جسدي كاملا،
عندها جرى في عقلي جبروتي في عملي وقسوتي على الموظفين في العمل، لعلّ الله يريد أن يعلّمني أنّ هناك من يخيفك مثلما تخيف الناس بقوّتك، وقرارتك، سألت الله أن ينقذني، وأن يرحمني، ولكن كيف يرحمني وأنا نسيت الرحمة لمن هم دوني، نظرت بشكل خاطف للخلف، وعندها رأيت، ماذا رأيت؟ رأيت شبحا على هيئة كلب، سألت الله: إن أنقذتني من هذا الموقف سأكون رحيما بغيري، سأغيّر طريقة تعاملي، سأعطف على الجميع مثل أطفالي وأكثر، وأن أغيّر جبروتي المعتاد، يا الله! أنا عبدك الضعيف.
ظللت أمشي وجسمي ينتفض خوفا، تركت فكرة الهروب؛ لأنها في نهاية الأمر فاشلة، ولا تقودني إلا إلى أن يعظّني وينهش جسدي، هذا الجسد الذي يُرى لجبارٍ في الأرض، ونموذجٍ في القسوة، وأنّه صاحب سلطة، لا يردّ له أمر، وددت أن لو تلك الأوامر ألقيها على هذا الكلب فينفذها لي مباشرة ويبتعد عنّي، ما هذا المأزق؟ يا الله فرّج أمري، ولن أكون إلا عند حسن ظنّك يا الله، بحثت عن مخرج، ولا فرج قريب لذلك، سألت الله النجاة، لم يتأخر الجواب، بعد مسير إحدى عشرة دقيقة من الخوف وتصبّب العرق، شمّ الكلب رائحة بعض العظام في جانب الطريق، وعلى غفلة، انطلق لها يلهث، شكرت الله على الانفراجة، وشكرت من تناول العشاء في الليلة السابقة في هذا المكان، وترك تلك العظام التي أنقذتني، حمدت الله سبحانه أن جعل الأمر يمضي على خير، وأنقذ جسدي من نهشة هذا الكلب المسعور، لأبدأ صفحة جديدة من التعامل مع الغير، صفحة من الرحمة والرأفة،
وكلما نازعتني نفسي لغير ذلك؛ تذكّرت رحمته لي يوم الكلب المسعور، كان يومي الجديد ليس كسابقه، فقد كان صفحة جميلة، انطوى تحتها الكثير من الموظفين، لاحظوا تغيري وسيرتي الجديدة، كان مكتبي أحد المكاتب التي يتحاشاها الموظفون؛ خوفا من بطشي، يبذلون أكثر السبل أن لا يدخلوا معي؛ لأنّهم يعلمون أنه إمّا طلبهم مرود أو محرج، صار الأمر بعد ذلك مختلفا؛ حيث يسودوه جو مليء بالسعادة والبهجة، تفاجأت أنّ بعض الموظفين يدخل عليّ لا لشيء معيّن، فقط لدقائق بسيطة، يلقي عليّ السلام، ويدعو لي، ثم ينطلق للعمل، حتى في حدود نفسي وجدت أريحية، كان العمل لديّ صعبا فيما ما مضى، وصار بعد ذلك شيئا كباقة ورد صباحية من الجمال والطيب والحبّ، وما زلت أحمد الله على ذلك الموقف الذي غيّرني للأجمل، وجعلني إنسانا جديدا، ذا نفس مبتهجة، حتى في حدود منزلي.
قالت لي زوجتي بعد ملاحظتها التغيّر وشيئا من السعادة: أرى سعادة تبدو عليك هذه الأيام في الانطلاق للعمل. فأخبرتها القصة، فردّت عليّ: الحمد لله رب العالمين أن سخّر لك كائنا يغيّرك للأحسن، جعلك ترى في نفسك جانبها المشرق والجميل في عملك.
