الكراهية وحتمية التعامل!
18 يونيو 2026
محمد بن عبدالله الأغبري
18 يونيو 2026
بعض التعليقات وإن كانت مضحكة في ظاهرها، إلا أنها تكشف عن وجه آخر خفي يمكن أن يكون لسان حال البعض بما يختزن في نفوسهم تجاه الآخرين، فليس كل ما يختلج في نفوسنا يمكننا إظهاره إلى العلن، فهي فطرة إنسانية وأسلوب متبع وشائع بين الناس، ولكن بعض تصرفاتنا وردود أفعالنا قد تكشف سرًا نحاول أن نخفيه بعيدًا عن الأعين.
ربما أَسرَّ لك صديق أو قريب أو زميل عن مشاعره تجاه بعض الناس الذين يتعامل معهم، وقد يصف لك كيف وصلت به الكراهية تجاههم إلى درجة قصوى من عدم احتمال مجاراتهم في الحديث أو التظاهر بأنه لا يضمر شيئًا في قلبه.
كل الشواهد تؤكد كيف تغلغلت أنياب الضغينة والكراهية في تصرفاتهم المشينة تجاه من هم أقل منهم شأنًا أو مرتبة، وما أكثرهم شيوعًا بين الناس في الوقت الراهن.
ولكن مع وجود تلك الكمية الرهيبة من الكراهية النفسية، يجد الشخص نفسه مكبلًا بأغلال الوظيفة، ومجبرًا أو ملزمًا في التعامل مع مثل هؤلاء البشر الذين لا يطيق سماع أسمائهم أو رؤية وجوههم كل يوم.
في اتجاهات الحياة، يحيط بنا أشخاص لهم إطارهم المتعارف عليه سواء في الجانب الإيجابي أو السلبي - وهذا أمر طبيعي -، ولكن الشيء غير الطبيعي هو أن تكون هادئًا أمام تصرفات لا تعجبك، وأسلوب لا ترتضيه لنفسك أو لغيرك، ومع ذلك تبقى صامتًا مبتسمًا متقبلًا سخافات الآخرين حتى لا يحدث صدام بينك وبينهم.
علمتنا الحياة أننا نحن من نصنف الأشخاص وفق ما نراه ونحسه تجاههم، أو وفق ما يبدونه من عدائية أو سلام مع الآخرين، لكن من المفارقات العجيبة في هذه الحياة في أمر صناعة الكراهية أنه يمكن أن تتحول البغضاء إلى محبة حتى ولو بعد وقت طويل.
وهذا الأمر هو تصديق لما قيل منذ زمن: «ما محبة إلا بعد عداوة»، وربما أيضًا ينقلب الحال من ودّ إلى حقد وكراهية كعلاقة عكسية، وهو ما نراه كثيرًا عندما تتباعد القلوب وتنكشف بعض الحقائق وتصدق عليها المواقف، فنعرف من يحبنا ومن يكرهنا بخداعه.
في الغالب نحن لا نشكك في الذمم أو في سلوك الناس إلا من خلال المواقف التي نحكم بها عليهم، فنحن علينا بالظاهر، ولكن الجانب الخفي قد يظهر في أوقات لا نتوقعها، فالصديق قد يكون ذلك العدو اللدود دون أن نعلم أمره، والعدو قد ينقلب إلى صديق.
لكن هناك أشخاص يثبتون لك عداوتهم منذ البداية، لا تجد منهم إلا كل ما يعكر صفو النفس ويدعو إلى النفور، ومثل هؤلاء الناس غير متصالحين لا مع أنفسهم ولا مع الآخرين، ولذا وجب علينا تجنبهم أو مخالطتهم.
الصعوبة أحيانًا تأتي عندما تجد نفسك لا تستطيع أن تنأى بنفسك عن مقابلة أشخاص لا ذمة لهم ولا ملة تنهاهم عن سلوكهم السيئ، عندها تدرك حجم الغل الذي تضمره قلوبهم تجاهك وقد يتسبب لك في مشكلات كثيرة، فقد لا تسمع منهم إلا الشجب والتهويل وربما الوعيد، هم يتمنون الخلاص منك، ولكنهم أيضًا مجبرون في التعامل معك حتى وإن كنت الحلقة الأضعف أمامهم.
أنت متأكد تمامًا بأنك شخص غير مرغوب في وجوده معهم، ولا يروق لهم وجودك في المكان، ولا يحبذون الحديث معك حتى ولو كنت مختلفًا عما يعتقدونه أو يضمرونه تجاهك.
لهذا وجب عليك أن تعلم حقيقة كشفها أصحاب الألباب مفادها أن الانسحاب من المواجهة هو طوق نجاة، وأن بعض الخذلان درس يعلمك بأن كرامتك فوق كل عاطفة، وأن الشخص المخلص لا يرحل إلا إذا رُخّص في عينيه الوفاء.
في الحياة هناك أشخاص يجب أن تبعد عنهم، ولا تتأسف على هجرانهم، فمنهم من ترصد لك في أزمتك، وآخر استرخص قيمتك أمام الناس، أما الطامة الكبرى فهو من هانت عليه عشرتك وأنكر معروفك وتركك وقت عثرتك وحيدًا في بحر من الظلمات لا تجد من يهديك إلى طريق الخلاص.
