صلة الرحم من المنظور الديني والإنساني
ازدحام الحياة بالكثير من المشاغل جعل الناس يبتعدون قليلًا عن دورهم الإنساني تجاه بعضهم البعض، ولعل الحديث ينصب حول "صلة الرحم" سواء من الجانب الديني أو الإنساني.
فقلَّت الزيارات وخفَّ السؤال عن الأقرباء، ولم يعد السؤال عن الأحوال مهمًّا كما كان، ولذا فإن بعض الناس يقطعون رحمهم ليس لأيام بل لشهور وسنوات، حتى في المناسبات لم يعد هناك التزام إنساني بالوصل والتواصل، والجواب عند السؤال يكون: "مشغولون".
صلة الرحم في هذا الزمن تُقاس بميزان المصلحة وليست بالمحبة كما كانت منذ زمن بعيد، يزورونك حين يحتاجون منك المساعدة، وينسونك حين تحتاج إليهم وقت الضيق. للأسف لم تعد القرابة تلك الرحمة المنتظرة، وإنما أصبحت ميزانًا ثقيلًا في النفع والمصلحة، بل يذهب الناس إلى اعتبارها أكثر من ذلك بكثير، فهناك زيارات معلبة بإطار الواجب، واتصالات مصطنعة حتى وإن كانت غير مرغب في إجرائها، هناك قلوب استبدلت دقاتها، وعواطف أصبحت باردة، وروابط بلا رحمة حقيقية، ولسان القدماء يقول: "ليت الناس تعلم بأن صلة الرحم عبادة دينية وليست كما يُنظر إليها الآن عبارة عن مصلحة دنيوية".
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث أمته بصفة مستمرة على صلة الرحم ويشدد عليها؛ لما لها من أجر عظيم في الدنيا والآخرة، وتتجلى وصاياه في عدة أحاديث شريفة تبين فضلها، وكيفيتها، وثوابها العاجل.
بيَّن رسولنا الكريم أن صلة الرحم قد تكون سببًا في سعة الرزق وطول العمر، حيث قال: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ"، ومن المأثور ذكره في الكتب والندوات الدينية أن صلة الرحم تعد ركيزة أساسية لاستقرار المجتمعات بشتى اتجاهاتها وثقافاتها، حيث تمثل جسرًا يربط بين البعدين الإنساني والديني، إضافة إلى ذلك كونها تعزز التكافل الاجتماعي، وتنمي مشاعر الحب والألفة بين الأفراد، كما تُعتبر واجبًا تعبديًا يثيب الله عليه، وتقوي الإيمان.
في الوقت ذاته، تعد العائلة الممتدة المترابطة بيئة حاضنة للنشء، تنمي لديهم قيم التعاطف والاحترام والانتماء، مما ينعكس إيجابًا على سلوكياتهم المستقبلية كأعضاء فاعلين في المجتمع. ومن منطلق ديننا الإسلامي الحنيف نجد أن القرآن الكريم حث في مواضع عديدة على صلة الرحم، وجعلها من أصول الإيمان وعلامات التقوى، لما فيها من تقوية روابط المجتمع، وجلب البركة في الرزق، ونيل رضا الله تعالى. ومن بين الآيات البينات قوله تعالى في سورة النساء: "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا".
بالمقابل وردت آيات قرآنية تحذر من قطيعة الرحم واعتبارها من أسباب الفساد في الأرض، كما في سورة محمد: "فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ".
أما الجانب الإنساني في "صلة الرحم" فإنها تعد من أعظم القيم الإنسانية النبيلة التي ترسخ الروابط الاجتماعية، حيث تتجاوز المفهوم التقليدي الذي نعرفه لتكون صمام أمان واطمئنان يحمي النسيج المجتمعي من التفكك والانفصال عن بعضه البعض، إلى جانب أنها تعزز الاستقرار النفسي، وتشيع روح التكافل والمحبة، وتوفر شبكة دعم مادي ومعنوي لمواجهة أعباء الحياة التي لا تنتهي.
أكد علماء الدين والفقهاء على أهمية صلة الرحم من منطلقات كثيرة، منها أنها تمنح الإنسان ذلك الشعور الرفيع بالانتماء والأمان، وتخفف عنه وطأة الضغوط النفسية والعزلة التي قد يفرضها إيقاع الحياة المتسارع.
والنقطة المهمة في أمر صلة الرحم، والواجب ذكرها، أنها تعلم الإنسان مبادئ العفو، وتغافل الهفوات، وتجاوز الخلافات العابرة حفاظًا على الود واستمرار التواصل.
