الجلوس على «كرسي الحلاق» !
المنصب الوظيفي هو حرفيًا «كرسي الحلاق» بلا منازع، ومغزى ذلك يتضح من خلال جلوس الناس على هذا «الكرسي»؛ فهناك شخص يغادر وآخر يحلّ محلّه، وهكذا تتوالى الوجوه وترحل، بينما يبقى الكرسي يستقبل كل زائر مؤقت في طابور العابرين.
لكن الفيصل بين شخص وآخر يكمن في قناعة الإنسان عندما يجلس على كرسي المسؤولية؛ فالبعض منذ الوهلة الأولى ينظر إلى اللحظة التي يُقال له فيها: «نعيمًا»، وكأن كل شيء قد انتهى، وأن دوره قد اكتمل، وعليه أن يغادر الكرسي ليتركه لغيره.
في المقابل، هناك من يتشبث بكرسي الوظيفة حتى آخر لحظة له في المكان، فيُلغي كل الأحداث السابقة، ولا يهتم إن كان من حوله ساخطين أم مرحبين بوجوده، فالمهم بالنسبة إليه أنه صاحب القرار، يصدر الأوامر، ويرفع هذا ويخفض ذاك بجرة قلم، أو يوبخ أحدهم، ويعتدي على آخر بالقول أو الفعل.
قيمة الأشخاص تظهر عندما يغادرون المكان الذي كانوا يجلسون فيه. أحد المسؤولين ظلّ أشهرًا طويلة ينتظر المكتب الجديد بكل تجهيزاته من ديكورات وتقنيات حديثة وتفاصيل أخرى، وما إن بدأ العدّ التنازلي لإنجاز العمل حتى غاب عن المكان الذي كان ينتظره؛ ذهب إلى داره ولم يعد!
كان الموت أقرب إليه من المكتب الجميل الذي كان يحلم أن يعمل فيه، وأن يجلس على ذلك الكرسي المريح والطاولة الكبيرة والأثاث الفاخر. رحل في غمضة عين، وكأن ما انتظره طويلًا لم يُكتب له أن يناله.
وبعد ساعات، لا أيام، صدر قرار جديد بتولي شخص آخر إدارة المكان وتسيير الأعمال، واستلم «الجمل بما حمل»، فكرسي الوظيفة لا يبقى مرتبطًا بالشخص الذي يجلس عليه، وإنما هناك دائمًا شخص آخر ينتظر دوره.
إذن، لماذا كل هذه العجرفة والتعالي والتفاخر من بعض الناس؟
لقد خلق الله تعالى الإنسان، وكل شيء من حوله زائل؛ فالصحة والمال والجاه والولد والمكانة وغيرها أشياء تزول بمجرد انقطاع أنفاسه، فيفقد كل شيء في لحظة واحدة.
نصيحة محب: المنصب لا يدوم لأحد، فلو دام لغيرك لما وصل إليك، ولا يبقى إلا الاحترام والتقدير. والنجاح في عملك هو الشاهد على عطائك، خاصة عندما تترك لك بصمة فيه. فالمنصب مثل «كرسي الحلاق»، والحكمة أن تحاول قدر ما استطعت أن تنجز شيئًا قبل أن تغادر منصبك، فلا يبقى منك إلا الأثر والموقف.
إما أن يذكرك الناس بكل خير ويدعون لك، وإما أن يتعمدوا نسيانك ويدعون عليك بسبب ظلمك. لذلك، لا تجعل منصبك وسيلة للهيمنة، واحرص دائمًا على أن يهابك الناس حبًا واحترامًا، لا خوفًا من بطشك بالضعفاء.
