No Image
بريد القراء

عـودة المـوتـى رقميا إلى الحياة!

27 مايو 2026
27 مايو 2026

منذ عدة سنوات كان الانبهار بالتقدم التقني يفوق أرضية الواقع. صور الأموات ظهرت فجأة إلى العلن وهي «تبتسم»، وأحيانا الوجوه «تتحرك» يمينا وشمالا. كان هذا الاندهاش شيئا «غير عاديا أو غير مألوفا» بالنسبة لملايين الناس حول العالم، والسبب هو «الذكاء الاصطناعي».

فرح البعض بأن أحبتهم عادوا إلى الحياة مرة أخرى، حتى وإن كان ذلك مجرد شيء افتراضي يجبر بخواطرهم، ويذكرهم بمن رحل عنهم، وترك في نفوسهم الكثير من الفقد والحنين.

في بادئ الأمر لم يصدق البعض، وآخرون أصابتهم حالة من الذهول وعدم استيعاب ما يرونه أمامهم من محاكاة لواقع الأشخاص الذين غيبهم الموت، وبقيت أجسادهم وأرواحهم بعيدا عنهم منذ زمن.

في ظل التسارع الزمني والتقني تقدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي نماذج كثيرة من الإبهار المرئي والسمعي. وتعلق البعض بما يقدم الذكاء الاصطناعي لدرجة أنهم باتوا يستسهلون فعل الأشياء القديمة، وأصبح البحث عن الإجابات لا تتم إلا بواسطة برامج الذكاء الاصطناعي الذي ظهر إلى العلن بنسخ مختلفة ومن جهات متعددة مثل أمريكا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا ودول شرق آسيا مثل كوريا الجنوبية واليابان وغيرها.

والآن بعد أن مضى وقت كاف على هذا الاختراع تمكنت بعض أدوات الذكاء الاصطناعي من ملامسة المشاعر الإنسانية، وذلك من خلال جعل الإنسان «المتوفى» يبدو للمشاهد على أنه شخص حي يرزق، ولكن باستخدام العلم الرقمي. وهذا الاتجاه كما فسره بعض الخبراء يأتي من بوابة مواساة ذوي المتوفى، وأيضا يتم استخدام هذه التقنية لأغراض تجارية؛ بحيث يقوم الذكاء الاصطناعي بإعادة بناء روابط افتراضية مع الراحلين، ثم يقوم بعرضها وكأنها جزء من الواقع!

لا تستغرب ذلك إن كنت حتى هذه اللحظة لم تواكب مثل هذه التقنيات أو لم تطلع عليها بعد؛ فلقد أصبح الذكاء الاصطناعي يدر ملايين الدولارات على المشتغلين عليه، ولكن هذه المرة من أجل «إحياء الموتى رقميا»، لتكون بذلك أكثر تقنيات العالم إثارة «للجدل والتعقيد»؛ لأنها تمس أعمق الشعور التي يحس بها الإنسان مثل: «الحزن والفقد والحنين» وغيرها.

وهذا ما كشفت عنه التقارير الإخبارية والبرامج الوثائقية.. لكن كيف يحدث ذلك؟

بحسب ما تم تداوله عبر المواقع الإلكترونية والبرامج التلفزيونية؛ فإن الصين استطاعت أن تقدم نماذج بشرية غائبة عن الحياة، لكن بتجميع المقاطع الصوتية والمرئية والصور وجعلها تبدو حقيقية بملامحها وتفاصيلها وكأنها لا تزال على قيد الحياة، وربما هي بذلك تصدر حاليًا العالم في عدد براءات اختراع الذكاء الاصطناعي الذي يتجاوز « 25 ألف براءة» ومنشورات الأبحاث. وتشير التقارير الدولية إلى أنها هي المنافس الأقوى للولايات المتحدة بفضل التمويل الحكومي الضخم وقاعدة المواهب الكبيرة التي تمتلكها بكين في هذا المجال.

تقوم الشركات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي بتوليد شخصيات رقمية تشبه الأصل تماما. العجيب أن هذا الأمر كان في نظر البعض «إيجابيا»، لكن سرعان ما تغيرت الموازين نحو «السلبية»؛ فهو يحمل الكثير من الألم، ويعيد فتح الجراح القديمة خاصة في قلوب «الآباء والأمهات» الذين فقدوا أبناءهم في أعمار صغيرة، ولا يزال جرح الفقد يدمي قلوبهم.

لقد نبه المختصون والخبراء من خطورة فتح هذا الباب على مصراعيه؛ بحيث يمكن التلاعب بمثل هذه النماذج لأغراض سيئة كـ«لاحتيال أو استغلال البيانات للمتوفين وتحويل المتوفين إلى نوع من التجارة بهم»، وهنا تكمن خطورة الوضع الراهن.

يرى بعض الناس بأن «إحياء الموتى رقميًا» هي تقنية جوفاء «لا إنسانية ولا دينية»؛ لأن الموت هو أحد القرارات الربانية التي لا يملك البشر إلا الاستجابة إليها والتسليم بها في كل الأديان السماوية. وليس الدين الإسلامي فقط هو من ينظر إلى حرمة الميت واحترام هذه القدسية؛ ولذلك فإن التلاعب بمثل هذه المسلمات يمثل انتهاكا لمعنى «الموت والموتى» معا.

ومهما كان الرفض المجتمعي لمثل هذه التطبيقات الخاصة بـ«إحياء الموتى رقميا» فإنه من المؤكد بأن القائمين عل هذه التقنية المربحة لن يهتموا كثيرا بالآراء المناهضة لهم؛ ولذا لن تختفي بسبب آرائنا أو رفضنا لها، بل على العكس قد تنتشر وتتطور؛ لأن كل شيء ممنوع هو مرغوب.

إضافة إلى ذلك أصبح الهوس التكنولوجي الشغل الشاغل للبشرية، ونظام الذكاء الاصطناعي صار متاحًا للجميع سواء للشركات أو الأفراد، وأي تطبيق أصبح يحقق أرباحًا خيالية؛ لهذا سيقبل الجميع عليه أملا في تحقيق المكاسب المرجوة منه سواء كان هنا قبول أو رفض من المجتمع.