أيهما أكثر أهمية: «المؤثر أم المروج»؟
في البدء لن أجيب على سؤال العنوان، بل سأتخطى ساقية الحديث نحو جداول أخرى وربما هي أكثر أهمية من الإجابة، فحتى اليوم لا يزال بعض الناس لا يفرّق ما بين المسميات أو المهام الوظيفية التي يقوم بها شخص مع شخص آخر.
وهذا التداخل الفكري هو الذي يجعل الناس لا يفرقون بين عمل وآخر أو مهنة بأخرى سواء من حيث المسؤولية أو الاختصاص أو المهمة التي يؤديها في المجتمع بغض النظر عن الهدف المادي والشهرة.
والسؤال الأهم: هل الهدوء الذي يختاره البعض في توصيل رسائلهم هو الانتصار الحقيقي على فوضى الآخرين دون وعي؟
الحقيقة: نعم، مع التطور المستمر في فهم المصطلحات والمهام وتبسيطها على جمهور الناس، لا يزال هنا لبس واضح لدى بعض الفئات خاصة فيما يتعلق بالمفاهيم الوصفية للأعمال التي يمارسها أفراد المجتمع والتي تخرج أحيانا من نطاق المألوف أو المعقول، ولهذا أصبح علينا لزاما أن نفرق ما بين المسميات والأعمال التي نتقدم إليها، فعلى سبيل المثال هناك فرق شاسع ما بين «المغني المحترف، والمؤدي المتقمص»، وأيضا بين «الشخص المؤثر اجتماعيا، والمروج للسلع».
لا يمكن مقارنة شخص يحدثك عن مجالات التقنيات والمستجدات التكنولوجية والفضائية والسيبرانية، وآخر يرغبك في شراء نوع معين من السلع على سبيل المثال!
هذا ليس تقليلا من المهام ولكن من أجل وضع النقاط على الحروف، فقضية إعجابك بشخص وأسلوبه في التواصل الاجتماعي ليس مدعاة إلى خلط الأوراق وإطلاق العنان لتداخل الأشياء فيما بينها، فلكل مهنة توصيفها الصحيح والقائمون عليها من غير المتطفلين أو المدعين متعارف عليه!
في الآونة الأخيرة زاد عدد «المروجين» للسلع والمنتجات عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تتعاقد معهم الشركات والمؤسسات وتدفع لهم مبالغ مالية نظير قيامهم بالحملات الترويجية وهذا عملهم وأبواب الرزق مفتوحة أمامهم، وإن كنا نعتب على البعض لعدم الحيادية وقبول أي عمل ترويجي دون الاهتمام بالجوانب التسويقية والأخلاقية لبعض المنتجات التي يقنعون الناس بأنها ليس لها نظير.
وبالمقابل هناك أشخاص ذوو شهرة واسعة في وسائل التواصل الاجتماعي وهم «المؤثرون الحقيقيون» في المجتمع الذي يعيشون فيه وأيضا في المجتمعات الأخرى التي يتفاعلون مع قضايا المجتمع ويسدون النصائح ويرصدون المخالفات والسلوكيات المجتمعية ويتحدثون بلسان فصحيح وفكر مستنير.
فهذا المؤثر يقدم المحتوى الاجتماعي والتربوي والتعليمي والتقني وغيرها لهدفين؛ أولهما الفائدة المجتمعية والثاني الكسب المادي الذي يأتي في الغالب من خلال المنصات التفاعلية التي تمنحه نسبا متفاوتة من المال حسب عدد المشاهدات والإعجابات والتعليقات، دون أن يكون هناك دعم خارجي من الأفراد والمؤسسات في كثير من الأحيان.
إذن نحن أمام توصيف حقيقي للفروقات ما بين الشخص «المروج والمؤثر»، فالمساحة واضحة، والفروقات متشعبة، والأهداف جمة، ولنكن أكثر مصداقية مع أنفسنا، بعض المروجين لا يهتم مطلقا في مصداقية الإعلان الذي يروج له سواء كان حقيقيا أو تضليليا، المهم أن يتقاضى المبلغ المتفق عليه، لهذا تجده في كل زاوية وباب يطرح منتجا مختلفا عن الذي سبقه بالأمس، بعكس المؤثر الذي يستقي منه أبناء المجتمع المعلومة الرشيدة والحكمة البالغة.
وبحسب ما هو منشور إلكترونيا: المؤثر هو الذي يقوم ببناء ثقة متبادلة وتفاعل حقيقي مع جمهوره عبر محتوى متخصص وقيّم، مما يمنحه القدرة على تغيير آراء وسلوكيات متابعيه.
بينما المروج هو ذلك الشخص الذي يركز بشكل أساسي على نشر إعلانات وتسويق منتجات استهلاكية بمقابل مادي، وغالبا ما يكون هدفه البيع السريع.
هذا التوصيف العلمي ليس مجرد قناعة شخصية بل هو موثق ومنشور مطبوعا ومنشورا عبر الفضاء الإلكتروني، لكن السؤال لماذا يزداد عدد المروجين كثيرا من المؤثرين؟
في الحقيقة، عمل المروج أسهل بكثير من المؤثر، سواء في تقديم المحتوى أو التقنيات المستخدمة وحتى في جني الأموال فالكفة تميل دائما نحو «المروج» لأنه يتخذ أسلوبا وزاوية أخرى في تقديم المنتج ولا غرابة أن أصبح التكرار سمة سائدة لديه، بينما المؤثر يحتاج إلى إقناع الآخر بمتابعته واستقاء المعلومة الصحيحة منه وهي مهمة صعبة لا يجيدها كثير من المؤثرين الصامدين أمام تغير الظروف واحتياجات المجتمع ورغباته.
فالجهد المبذول من المؤثر مضاعف عن المروج، لأن إقناع ملايين المتابعين لا يأتي بتلك السهولة، وإنما من خلال تقديم أعمال متفردة وطرق مبتكرة، وهذا ليس تقليلا من شأن المروج فهو يعمل أيضا على تلميع صورة المنتج وإقناع المستهلك بشرائه.
